Preloader Image
news خبر عاجل
clock
من أحمد بلافريج إلى ناصر بوريطة.. رحلة الدبلوماسية المغربية من التأسيس إلى الامتداد الإفريقي

من أحمد بلافريج إلى ناصر بوريطة.. رحلة الدبلوماسية المغربية من التأسيس إلى الامتداد الإفريقي

إبراهيم باعزيز


لم تكن الدبلوماسية المغربية، غداة الاستقلال، مجرد واجهة لتمثيل المملكة في الخارج، بل كانت إحدى أدوات تثبيت السيادة الوطنية، واستعادة موقع المغرب داخل محيطه الإقليمي والدولي، وبناء علاقات خارجية تستجيب لتحولات مرحلة ما بعد الاستعمار. فمن معركة تثبيت الحضور داخل المنظمات الدولية، إلى الدفاع عن المصالح الاستراتيجية والوحدة الترابية، وصولاً إلى توسيع الشراكات الاقتصادية والانفتاح على إفريقيا، قطعت وزارة الشؤون الخارجية مساراً ارتبط بتطور الدولة المغربية وتغير رهاناتها. وبين أحمد بلافريج، أحد أبرز وجوه التأسيس الدبلوماسي، وناصر بوريطة، الذي يقود الوزارة منذ سنة 2017، تتجلى تحولات وظيفة الدبلوماسية المغربية وأدوات اشتغالها.

من أحمد بلافريج إلى بناء جهاز دبلوماسي وطني

تعود البدايات المؤسساتية لوزارة الشؤون الخارجية إلى سنة 1956، حين كانت المملكة تعمل على بناء أجهزة الدولة المستقلة وتأسيس حضورها الدبلوماسي الخاص. وقد تولى أحمد بلافريج حقيبة الخارجية في مرحلة مبكرة، بعدما راكم تجربة سياسية ودبلوماسية جعلته من الشخصيات البارزة في الحركة الوطنية وفي مسار استعادة السيادة المغربية.

وكانت الأولوية آنذاك تتمثل في تثبيت الشخصية الدولية للمغرب، وتطوير علاقاته مع الدول، وبناء جهاز دبلوماسي وقنصلي قادر على تمثيل المملكة والدفاع عن مصالحها. ولم يكن ذلك عملاً إدارياً محضاً، بل جزءاً من مسار أوسع يروم الانتقال من وضع الحماية إلى ممارسة الدولة المستقلة لاختصاصاتها الخارجية.

ومع تعاقب الحكومات، انتقلت مسؤولية تدبير الدبلوماسية إلى عدد من الشخصيات، من بينها محمد بوستة، وعبد الله إبراهيم، وإدريس المحمدي، وغيرهم ممن ارتبطت أسماؤهم بمراحل مختلفة من تطور السياسة الخارجية المغربية. وقد فرضت التحولات الإقليمية والدولية على الوزارة توسيع شبكة علاقاتها، وتنويع قنوات التواصل، والتعامل مع ملفات تتجاوز العلاقات الثنائية إلى القضايا العربية والإفريقية والدولية.

من تثبيت السيادة إلى الدفاع عن المصالح الاستراتيجية

مع مرور العقود، لم تعد مهمة الدبلوماسية المغربية مقتصرة على توطيد العلاقات الرسمية، بل أصبحت مرتبطة بتدبير ملفات استراتيجية تتداخل فيها الاعتبارات السياسية والقانونية والاقتصادية والأمنية. وفي مقدمة هذه الملفات، برزت قضية الوحدة الترابية للمملكة، بما تتطلبه من تحرك دبلوماسي داخل الأمم المتحدة، وفي العلاقات الثنائية، وعلى مستوى المنظمات والتجمعات الإقليمية.

وفي هذا السياق، تعاقب على الوزارة مسؤولون من بينهم عبد اللطيف الفيلالي، ومحمد بنعيسى، والطيب الفاسي الفهري، وسعد الدين العثماني، وصلاح الدين مزوار. واختلفت السياقات التي اشتغل فيها كل واحد منهم، كما تنوعت أولويات المرحلة، من تدبير العلاقات مع الشركاء التقليديين إلى توسيع التعاون الاقتصادي، وتعزيز الحضور المغربي في المحافل متعددة الأطراف.

ولم تكن السياسة الخارجية معزولة عن التحولات التي عرفها العالم، سواء تعلق الأمر بتغير موازين القوى الدولية، أو تصاعد أهمية الشراكات الاقتصادية، أو تنامي دور الدبلوماسية في استقطاب الاستثمارات وتوسيع فرص التعاون. وهو ما جعل العمل الدبلوماسي يتطلب الجمع بين التمثيل السياسي، والتفاوض، والتواصل المؤسساتي، ومتابعة التحولات التي تؤثر في مصالح المملكة.

العودة إلى الاتحاد الإفريقي.. تحول في الامتداد القاري

شكلت إفريقيا أحد المحاور البارزة في تطور العلاقات الخارجية المغربية. وبعد سنوات من الغياب عن منظمة الوحدة الإفريقية، عاد المغرب إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، في خطوة أعادت المملكة إلى إطار مؤسساتي قاري تتيح داخله توسيع الحوار والتعاون مع الدول الإفريقية، والمشاركة في مناقشة القضايا المشتركة.

ولا يقتصر الحضور المغربي في القارة على التمثيل الدبلوماسي، بل يمتد إلى مجالات اقتصادية ومالية ودينية وتنموية، من خلال الشراكات والاستثمارات وبرامج التعاون وتبادل الخبرات. كما أصبحت العلاقات الإفريقية جزءاً من مقاربة أوسع تروم تنويع الشراكات الدولية، وتعزيز الروابط جنوب–جنوب، وتوسيع مجالات التعاون بين الدول والمؤسسات.

غير أن هذا الامتداد يضع الدبلوماسية المغربية أمام تحديات مستمرة؛ إذ يتطلب الحفاظ على الشراكات القارية عملاً متواصلاً، وقدرة على التوفيق بين المصالح الوطنية ومتطلبات التعاون متعدد الأطراف، فضلاً عن مواكبة التحولات السياسية والاقتصادية التي تعرفها القارة.

من صلاح الدين مزوار إلى ناصر بوريطة.. دبلوماسية متعددة الواجهات

منذ تعيين ناصر بوريطة وزيراً للشؤون الخارجية والتعاون الدولي في 5 أبريل 2017، دخل تدبير الدبلوماسية المغربية مرحلة تواصل فيها التركيز على الملفات الاستراتيجية، بالتوازي مع تعزيز التعاون الإفريقي وتوسيع الشراكات الدولية. وفي أكتوبر 2019، أصبح الاسم الرسمي للقطاع يشمل الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، بما يعكس اتساع مجالات المسؤولية الموكولة إلى الوزارة.

ويستند هذا المسار إلى شبكة دبلوماسية وقنصلية تضطلع بتمثيل المملكة، والدفاع عن مصالحها، وتطوير علاقاتها مع الدول والمنظمات الدولية، إلى جانب تقديم الخدمات القنصلية للمغاربة المقيمين بالخارج. وتؤدي السفارات والقنصليات دوراً يتجاوز التمثيل الرسمي، ليشمل مواكبة المواطنين، وتيسير عدد من الإجراءات، والتدخل في الحالات التي تستدعي الحماية أو المساعدة القنصلية وفق القوانين والاتفاقيات المعمول بها.

كما تزايد حضور الدبلوماسية الاقتصادية في عمل الوزارة، عبر تشجيع التعاون والاستثمار، وتطوير العلاقات التجارية، وربط الشراكات السياسية بفرص ملموسة في مجالات التنمية. وأصبح التواصل الدبلوماسي بدوره أكثر ارتباطاً بسرعة تداول المعلومات، وبالحاجة إلى تقديم المواقف الرسمية ومواكبة الأحداث الدولية في فضاء إعلامي متغير.

ومع ذلك، فإن تقييم فعالية العمل الدبلوماسي لا يتوقف عند عدد اللقاءات أو الاتفاقيات الموقعة، بل يرتبط أيضاً بمدى ترجمة التحركات الخارجية إلى نتائج قابلة للقياس، وبقدرة المملكة على حماية مصالحها، وتطوير شراكات متوازنة، وتعزيز حضورها في المؤسسات الدولية.

المغاربة المقيمون بالخارج.. وجه آخر للدبلوماسية

لم تعد علاقة وزارة الشؤون الخارجية بالمغاربة المقيمين بالخارج مقتصرة على إصدار الوثائق أو تقديم الخدمات القنصلية. فقد أصبحت قضايا الجالية جزءاً من اهتمامات القطاع، بالنظر إلى ارتباطها بحقوق المواطنين، وأوضاعهم الإدارية والاجتماعية، وصلاتهم الاقتصادية والثقافية بوطنهم.

وتتحمل البعثات القنصلية مسؤولية أساسية في مواكبة المغاربة بالخارج، وتقديم الخدمات التي تدخل ضمن اختصاصاتها، والتواصل مع السلطات المحلية في البلدان المضيفة عند الحاجة. كما تكتسي هذه المهام أهمية خاصة في حالات الأزمات أو الصعوبات التي قد تواجه المواطنين، بما يفرض الاستعداد والتنسيق وسرعة الاستجابة.

ويظل التحدي قائماً في تحسين جودة الخدمات وتقليص آجال بعض الإجراءات، وتيسير الولوج إليها، مع مراعاة اختلاف القوانين والأنظمة الإدارية بين البلدان. فالدبلوماسية لا تُقاس فقط بقدرتها على تمثيل الدولة خارج حدودها، بل كذلك بمدى انعكاس عمل مؤسساتها على حماية مصالح المواطنين وخدمتهم.

الدبلوماسية المغربية.. بين تراكم التجربة ورهانات المرحلة المقبلة

تكشف مسيرة وزارة الشؤون الخارجية عن انتقال تدريجي من مرحلة بناء الجهاز الدبلوماسي الوطني وتثبيت حضور المغرب في المجتمع الدولي، إلى مرحلة تتسم بتعدد الشراكات واتساع الملفات وتزايد الترابط بين السياسة والاقتصاد والتنمية. وبين الأجيال التي تولت قيادة الوزارة، ظلت حماية المصالح الوطنية وتطوير العلاقات الخارجية من الثوابت الأساسية، وإن اختلفت الأدوات والسياقات من مرحلة إلى أخرى.

أما رهانات المرحلة المقبلة، فتتصل بمواصلة الدفاع عن الوحدة الترابية، وتعزيز الشراكات الإفريقية، وتطوير العلاقات مع القوى الدولية، وتوسيع الدبلوماسية الاقتصادية، وتحسين الخدمات المقدمة للمغاربة المقيمين بالخارج. وهي رهانات تفرض يقظة مستمرة، وتنسيقاً بين المؤسسات، وقدرة على استباق التحولات بدل الاكتفاء بالتفاعل معها.

وبين أحمد بلافريج، الذي ارتبط اسمه بمرحلة التأسيس، وناصر بوريطة، الذي يقود الوزارة في سياق دولي مختلف، تتواصل رحلة الدبلوماسية المغربية بما تحمله من تراكمات وتحديات. رحلة لا تختزلها أسماء الوزراء أو محطات التعيين، بل تتحدد أهميتها بقدرة المملكة على تحويل حضورها الخارجي إلى حماية للمصالح الوطنية، وشراكات متينة، ومكاسب تخدم موقع المغرب ومواطنيه.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات