Preloader Image
news خبر عاجل
clock
سحورٌ بنكهة "معسل" الشيشة وبخورٌ من مآذن التقوى.. هل مراكش بوجهين مختلفين يجمعهما سقف الحرية الفردية؟

سحورٌ بنكهة "معسل" الشيشة وبخورٌ من مآذن التقوى.. هل مراكش بوجهين مختلفين يجمعهما سقف الحرية الفردية؟

في مراكش، ليل رمضان ليس مشهداً واحداً، بل هو لوحة تنقسم بوضوح إلى عالمين متوازيين يلتقيان عند بزوغ الفجر. فبينما تفوح رائحة "البخور" الأصيل من جنبات المساجد والزوايا العتيقة عقب صلاة التراويح، تبرز في أحياء أخرى سحب "الدخان" من مقاهي الشيشة التي تفتح أبوابها لرواد السهر حتى الساعات الأولى من الصباح. هذا واقع، يضعنا أمام مدينة تعيش بقلبين ونبضين مختلفين.

تشهد المقاهي المتخصصة في تقديم الشيشة بقلب "جيليز" حركية استثنائية، حيث تنجح هذه الفضاءات في بسط نشاطها بعيداً عن ضوابط زمن الإغلاق المعتاد، لتمتد لساعات الفجر الأولى. بالنسبة لمرتادي هذه الفضاءات، فإن تدخين الشيشة هو مساحة للترويح عن النفس. لكن المثير للرصد هو تحول هذه المقاهي إلى "جزر معزولة" تمارس نشاطها المكثف خلف أبوابها، في وقت تكون فيه أغلب القطاعات قد أذعنت للهدوء الرمضاني، مما يطرح تساؤلات صامتة حول كيفية استمرار هذا الصخب وسط الأحياء السكنية حتى وقت السحور.

يدافع المرتادون عن حقهم في ممارسة قناعاتهم. فبالنسبة لهم، المقهى هو فضاء مدني، والسهر حتى الفجر هو حق مشروع لكل فرد في اختيار كيفية قضاء وقته. ويرى هؤلاء أن مراكش كمدينة سياحية تتسع لكل الأنماط السلوكية، مؤكدين على ضرورة حماية "الحرية الشخصية" من أي وصاية اجتماعية.

على الجانب الآخر، يرى أصحاب هذا التوجه أن رمضان هو شهر للسكينة، ويتحفظون على "تطبيع" وجود مقاهٍ تضج بالمدخنين في ساعات متأخرة، معتبرين أن استمرار هذه الأنشطة يمثل اختراقاً لـ "حرمة الزمان" وإزعاجاً لسكينة الأحياء، خاصة حين تتحول الأرصفة المحيطة بها إلى فضاءات صاخبة لا تحترم حاجة الجوار للنوم أو الخشوع.

في نهاية المطاف، تبقى قوة مراكش في قدرتها على احتواء هذه "الوجوه المختلفة" تحت سماء واحدة. إن الجدل القائم ليس صراعاً بقدر ما هو تجسيد لثقافة القبول بالآخر، لكنه يضع أيضاً تساؤلات حول حدود "المسؤولية التنظيمية" لهذه الفضاءات.

الخلاصة التي تفرض نفسها هي أن الحرية لكل فرد هي الأصل؛ فكما للمصلي حقه الكامل في الخشوع والسكينة، للساهر أيضاً حقه في ممارسة اختياراته الشخصية. ومع ذلك، تبقى القاعدة الذهبية التي تضمن استمرار "بهجة" مراكش هي احترام خصوصية كل طرف للآخر، دون أن تتحول الحرية الفردية إلى مساس بالحرية الشخصية للغير أو زعزعة لاستقرار السكينة العامة. هكذا تظل مراكش مدينة التعايش، حيث يمر الليل بسلام بين رائحة البخور ووهج الشيشة، ليبقى الحكم النهائي في يد المجتمع الذي يراقب هذه التناقضات بصمت.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات