Preloader Image
news خبر عاجل
clock
مراكش.. لمن يدفع أكثر؟ "رياضات" المدينة وغصة الساكنة (البرتقالة المرة)

مراكش.. لمن يدفع أكثر؟ "رياضات" المدينة وغصة الساكنة (البرتقالة المرة)

منذ متى أصبحت "درب الضبشي" أو "حي المواسين" سوى خلفيات لالتقاط صور "الإنستغرام"؟ ومنذ متى صار المراكشي يشعر بالارتباك وهو يتجول في أزقة تربى فيها، كأنه "غريب" يقتحم خصوصية منتجع سياحي مفتوح؟ خلف الأبواب الخشبية المنقوشة والأسوار الطينية العتيقة، تدور معركة صامتة ليست بين القديم والحديث، بل بين "جشع العقار" و"الحق في الذاكرة".

كنتُ جالساً في "رياض" فاخر يسره احد اصدقائي، حين توقفت دراجة نارية (طروا) أمام الباب العتيق. نزل منها رجل بملامح مراكشية أتعبها الزمن، ترافقه ابنته الصغيرة. طلب الإذن من صديقي للدخول لدقائق فقط، وبصوت مخنوق قال: "هنا كان بيت العائلة.. هنا كبرت".

دخل الرجل وكأنه يستعيد قطعة من روحه، يشير لابنته بيده المرتجفة: "هنا، بجانب شجرة البرتقال هذه، كنت ألعب.. هنا كان المطبخ حيث تفوح رائحة خبيزة الوالدة.. وهذا هو 'المراح' الذي شهد ضحكاتنا وصراخنا". لم يستطع الرجل إكمال جولته؛ غطى عينيه بيديه وانفجر باكياً، لترتمي طفلته في حضنه تعانقه في مشهد يختصر مأساة جيل هجّرته "الأرقام" من ذكرياته.

حكى لنا، والغصة تخنق صوته، كيف أن شجرة البرتقال تلك لم تعد ملكاً له بعد أن أجبرت الظروف العائلة على "قسمة الإرث". لم يكن أمامهم خيار سوى البيع لمستثمر أجنبي قَدَّم مبلغاً لم يحلموا به، لكنه في المقابل انتزع منهم "الروح". والآن؟ هو يسكن في شقة ضيقة ضمن مشروع "سكن اقتصادي" في ضواحي مراكش، حيث الجدران باردة والأسقف واطئة، وحيث لا مكان لشجرة برتقال، بل فقط لعلب إسمنتية تتكدس فيها الأجساد.

تذكر الرجل، وعيناه زائغتان في أرجاء الرياض، ليالي الخميس التي كانت تهز أركان الدار. تذكر كيف كان "المراح" يتحول إلى مسرح للحياة؛ حيث تلتف العائلة والجيران حول "البراد" المنعنع، وتنطلق نغمات "الدقة المراكشية" الصافية، تتجاوب معها الأكف والقلوب. تذكر كيف كان صوت "الملحون" الشجي ينساب مع نسيم الليل، يروي قصص الحب والجمال، بينما كانت رائحة التوابل و"الطنجية" المراكشية تملأ المكان دفئاً وأماناً. لم يكن "الرياض" بالنسبة لهم فندقاً، بل كان وطناً تفوح منه رائحة الأجداد.

هذا الرجل هو وجه لمراكش التي تُطرد من مركزها. ما نعيشه هو "تسليد" (Gentrification) قسري؛ حيث تُشترى البيوت، تُرمم، وتُحول إلى دور ضيافة بالعملة الصعبة، ليرتفع ثمن المتر المربع إلى مستويات خيالية تنافس الرباط والدار البيضاء.

المراكشي اليوم يجد نفسه في منافسة غير عادلة مع مستثمر عابر، مما دفع "بهجاوة" للنزوح نحو هوامش المدينة؛ في "تامنصورت" أو "المحاميد"، أو الأسوأ، نحو "الدواوير" والعشوائيات المتاخمة (تسلطانت، واحة سيدي ابراهيم والنخيل) التي تحولت إلى مخازن بشرية لمن يخدمون السياحة نهاراً ويسكنون البؤس ليلاً.

إن السؤال المطروح اليوم ليس هو "كيف نوقف الاستثمار؟"، بل "كيف نحمي المراكشي داخل مدينته؟".

نحن بحاجة لسياسات تفرض كوطا سكنية للأسر الأصلية داخل الأسوار.

نحن بحاجة لضرائب على "الاستثمار السياحي" تُعاد ضخها في مرافق اجتماعية للساكنة المحلية.

نحن بحاجة لرد الاعتبار لـ "الحومة" ككيان إنساني، لا كمجرد منتج تجاري.

مراكش ليست "براند" عالمي؛ مراكش هي تاريخ، وناس، ودموع ذلك الأب أمام شجرة برتقاله المصادرة. إذا استمر هذا "التهجير الناعم"، فسنستيقظ يوماً لنجد مدينة جميلة بلا روح، يسكنها الغرباء، بينما المراكشيون الحقيقيون يتفرجون من بعيد على أطلال هويتهم في دواوير الهامش.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات