لم يعد من الممكن اليوم القفز على الجراح الغائرة التي تركتها تجربة "مراكش: الحاضرة المتجددة" في ذاكرة وواقع المدينة الحمراء، فما نعيشه اليوم من استنفار للمشاريع الضخمة استعداداً للاستحقاقات العالمية القادمة، يبدو في عمقه وكأنه محاولة للهروب إلى الأمام من إخفاقات الأمس المسكوت عنها. إن العنوان الأبرز الذي يلوح في الأفق المراكشي هو الخوف من إعادة إنتاج نفس "الفشل المغلّف" بمساحيق جديدة؛ فالمشاريع التي صُرفت عليها المليارات تحت مسمى التجديد الحضري، انتهى بها المطاف لتكون أوراشاً متعثرة أو منشآت تفتقر للروح والجدوى، مما يجعل التساؤل عن مصير المشاريع "المونديالية" الحالية تساؤلاً مشروعاً وحارقاً، لا سيما وأن العقلية التدبيرية التي أنتجت خيبات الماضي هي ذاتها التي تقف اليوم خلف هندسة الحاضر.
إن المسكوت عنه في ملف "الحاضرة المتجددة" يتجاوز مجرد تأخر في الإنجاز، ليصل إلى غياب رؤية شمولية تضع "الإنسان المراكشي" في قلب التنمية، بدلاً من التركيز على تزيين الواجهات السياحية التي لا تخدم سوى فئة ضيقة. وكأن التاريخ يعيد نفسه اليوم؛ حيث نرى سباقاً مع الزمن لتشييد بنيات تحتية عملاقة، في حين تظل المشاكل الهيكلية التي يعاني منها المواطن البسيط، كأزمة النقل الحضري الخانقة وتردي الخدمات الصحية وفشل الأسواق النموذجية، خارج دائرة الضوء وبعيدة عن "الحلة الجديدة" الموعودة. هذا التناقض الصارخ يطرح علامة استفهام كبرى حول ما إذا كانت المشاريع الحالية ستنجح فعلاً في خلق قطيعة مع إخفاقات الماضي، أم أنها ستظل مجرد "حقنة مسكنة" تنتهي صلاحيتها بانتهاء أضواء الكاميرات العالمية، لنكتشف بعدها أننا أمام مدينة بواجهتين: واحدة براقة للسياح، وأخرى "منكوبة" لساكنتها.
إن فتح باب النقاش للمواطن المراكشي اليوم ليس اضافة فكرية، بل هو ضرورة لجس نبض الشارع الذي يراقب بصمت وحذر جرافات التغيير؛ فهل ستصبح مراكش فعلاً بحلة جديدة تضمن كرامة القاطن بها، أم أننا بصدد تكرار سيناريو "البناء من أجل الهدم"؟ إن الفشل الحقيقي لا يكمن في نقص الموارد، بل في غياب المحاسبة عن المشاريع السابقة التي وُئدت في مهدها، وفي الإصرار على نهج سياسة "الهروب نحو المشاريع الكبرى" لتغطية عجز التدبير اليومي. إن المراكشي اليوم لا يبحث عن إنجازات ورقية أو أرقام صماء، بل يبحث عن إجابة حقيقية لسؤال بسيط: لماذا فشلت "الحاضرة المتجددة" في تحسين حياته، وما الذي يضمن ألا يكون الحاضر مجرد نسخة مكررة لفشل مغلّف بوعود "العالمية"؟