ليس من الضروري أن تمتلك بوصلة كي تكتشف أنك في الداوديات، يكفي أن تحاول السير على الرصيف. الرصيف نفسه الذي يُفترض أنه مساحة آمنة للمارة، تحوّل إلى معرض مفتوح لكل أشكال “الاجتهاد الفردي”: طاولات، كراسٍ، عربات، سلع، وأحيانًا حتى كراسي بلاستيكية تنتظر زبونًا قد يأتي أو لا يأتي. هنا لا تحتاج إلى خرائط، فالملك العمومي لم يعد عموميًا، بل صار يُدار بمنطق “اللي سبق حط رجلو”.

الغريب – أو لعل الغريب لم يعد غريبًا – أن مدينة مراكش عرفت في فترات متقاربة حملات لتحرير الملك العمومي، جابت شوارع وأحياء، التقطت صورًا، وخلّفت ارتياحًا مؤقتًا لدى السكان. لكن هذا الارتياح كان انتقائيًا، مثل المطر الذي يسقي جهة وينسى جهة أخرى. والسؤال الذي يفرض نفسه، بإلحاح لا يحتاج إلى مكبر صوت: هل الداوديات خارج الخريطة؟ أم أن الملك العمومي هنا يتمتع بحصانة غير معلنة؟
في شوارع معروفة بدقة انتظامها المروري، وبقربها من مرافق حيوية، يجد المواطن نفسه مجبرًا على النزول إلى قارعة الطريق لأن الرصيف “محجوز”. لا إشارات تشوير، لا تنبيهات، فقط واقع يُفرض يوميًا وكأنه أمر عادي. وهنا يحق التساؤل: هل أصبح احتلال الملك العمومي عرفًا اجتماعيًا أم أنه مرحلة انتقالية في انتظار تقنين غير مكتوب؟

أما ديور المساكين، فحدث ولا حرج. الحي الذي يحمل اسمًا يختصر تاريخًا اجتماعيًا، بات اليوم عنوانًا لعشوائية تتناسل بهدوء. احتلال هنا، تمدد هناك، ومع مرور الوقت يصبح الاستثناء قاعدة، والقاعدة غائبة. فهل يتعلق الأمر بضعف في المراقبة؟ أم بمرونة مفرطة في تطبيق القانون؟ أم أن القانون نفسه يمر مرور الكرام، مثل المارة الذين يبحثون عن رصيف مفقود؟
السلطات المحلية، بحكم اختصاصاتها، ليست غائبة عن المشهد العام للمدينة. حضورها واضح في محطات معينة، ومجهول في أخرى. وهذا الغياب الانتقائي يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة: هل تحرير الملك العمومي يخضع لأولويات ظرفية؟ وهل بعض الأحياء تُصنَّف تلقائيًا ضمن خانة “المؤجل” إلى أجل غير مسمى؟
الأكثر إثارة للاستغراب أن هذا الوضع لا يضر فقط بحق المارة، بل يخلق نوعًا من التمييز غير المعلن بين المواطنين. فمن التزم بالقانون خسر المساحة، ومن خالفه ربحها. وهنا تصبح المخالفة استثمارًا مربحًا، بينما يتحول احترام القانون إلى سلوك غير مجدٍ. فهل هذه هي الرسالة غير المقصودة التي نُمررها في صمت؟
لا أحد يطالب بحملات استعراضية، ولا أحد ينكر البعد الاجتماعي لبعض الأنشطة، لكن بين التفهم وترك الحبل على الغارب مسافة اسمها الحكامة. فهل من الحكامة أن يصبح الملك العمومي موضوع نقاش موسمي؟ أم أن العدالة المجالية تقتضي أن تشمل عمليات التنظيم جميع الأحياء دون استثناء؟
في النهاية، يبقى السؤال معلقًا في الهواء، تمامًا مثل بعض اللافتات التي استولت على الرصيف: متى يصبح الملك العمومي فعلاً عموميًا؟ أسئلة قد لا تبحث عن إجابة بقدر ما تبحث عن إرادة… والإرادة، كما يبدو، لا تحتاج رصيفًا لتسير عليه، لكنها تحتاج قرارًا واضحًا لتصل.