ليست كلّ الحكايات تُروى من فوق المنصّات الصاخبة، ولا كلّ الذاكرات تحتاج إلى أرشيفٍ رسمي كي تبقى حيّة. أحيانًا، يكفي شخص واحد، صادق في انتمائه، هادئ في حضوره، ليمنح مدينةً كاملة فرصة جديدة للكلام. في هذا الأفق، يبرز خالد بيكالتي كاسم اختار أن يحمل مراكش لا كشعار، بل كمسؤولية ثقافية وأخلاقية.
خالد بيكالتي، المراكشي العاشق للمدينة الحمراء وتاريخها، لا يقدّم محتوى عابرًا ولا يلاحق لحظة رقمية زائلة، بل يشتغل بمنطق الذاكرة الطويلة. بدراجته الهوائية وكاميرته المتواضعة في شكلها، العميقة في رسالتها، يجوب الأزقة والدروب والأحياء العريقة، موثّقًا تفاصيل قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها تشكّل جوهر هوية مراكش وروحها المتراكمة عبر القرون.
أسلوبه في التعليق لا يعتمد الخطابة ولا المبالغة، بل يقوم على سردٍ هادئ، يزاوج بين المعلومة التاريخية والإحساس بالمكان، فيُشعر المتلقي أنه لا يشاهد مقطعًا مصوّرًا، بل يرافق جولة حقيقية داخل المدينة، يسمع صدى خطواتها القديمة، ويتلمّس نبضها الإنساني. كل زقاق عند خالد حكاية، وكل حيّ ذاكرة، وكل حجر شاهد لا يُهمل.
وما يمنح هذه التجربة قيمةً مضاعفة، أن صاحبها يواصل عطائه رغم معاناته مع المرض، دون أن يجعل من ذلك عنوانًا أو وسيلة استدرار، بل يصرّ على الاستمرار بنفس الالتزام ونفس الاحترام لعقله ولجمهوره. هنا، يتحوّل المحتوى إلى موقف، والاستمرارية إلى درس في الوفاء، ليس فقط للمتابعين، بل للمدينة ذاتها.
صفحة “خالد بيكالتي” ليست فضاءً للاستعراض، بل مساحة توثيق راقٍ، تُعيد الاعتبار للمحتوى الهادف، وتؤكد أن حبّ المدن لا يُقاس بكثرة الصور، بل بعمق النظرة وصدق الانتماء. إنها تجربة تستحق التنويه، وصاحبها يستحق التكريم، لأنه اختار أن يكون صوتًا هادئًا لذاكرة مراكش، في زمنٍ يعلو فيه الضجيج ويقلّ فيه الإنصات.
إنه تكريم مستحقّ لشخص آمن بأن المدينة الحمراء ليست مجرّد وجهة، بل كائن حيّ، ومن واجب أبنائها أن يحكوا قصتها… كما هي، وبكلّ احترام.