نحن لا نقرأ اليوم، نحن فقط "نمرّر". خلف هذه الشاشات الصغيرة، نعيش في دوامة يغذيها فيسبوك وأخواته من المنصات التي لا تنام. الحقيقة التي نهرب منها كصحفيين وقراء هي أن هذه المنصات لم تسرق عيوننا فحسب، بل اغتالت "وقت التأمل"؛ تلك الخلوة المقدسة التي كانت تجمع القارئ بمقال رصين، وتمنحه ترف الفهم بعيداً عن ضجيج "اللايكات" وصراخ "التعليقات".
لقد تحولت الصحافة المكتوبة، برصانتها وتاريخها، إلى مجرد "محتوى" في طابور طويل ينتظر رضا خوارزميات فيسبوك. القارئ الذي كان بالأمس يقتني جريدته ويخصص لها "ساعة من الزمن" مع قهوة الصباح، أصبح اليوم يطارد أخباراً "نيئة" ومختصرة في لمح البصر. لقد فقدنا "هيبة الكلمة" لأننا صرنا نستهلكها كوجبة سريعة؛ نبتلع الخبر دون أن نتذوق معناه، ونشارك المقال دون أن نقرأ حتى منتصفه.
المأزق الحقيقي ليس في التكنولوجيا، بل في "التسطيح" الذي فرضته هذه المنصات. حين يصبح "التريند" هو بوصلة التحرير، وتصبح "النقرة" (Click) أهم من "الفكرة"، فإننا نعلن نهاية زمن الصحفي المفسّر وبداية زمن "المؤثر" العابر. المنصات تعطيك "ما يحدث الآن"، لكن الصحافة المكتوبة هي الوحيدة التي تخبرك "لماذا حدث؟" وماذا يعني ذلك لمستقبلك. هذا الفرق الجوهري هو ما يحاول فيسبوك طمسه تحت ركام الفيديوهات السريعة والمنشورات الصادمة.
إن القارئ اليوم يشعر بـ "تخمة" في المعلومات و"جوع" في اليقين. هو يعلم في قرارة نفسه أن ما يطالعه على المنصات هو مجرد قشور، لكنه صار أسيراً لسرعة "التمرير" (Scrolling). معركة الصحافة المكتوبة اليوم هي أن تجر هذا القارئ بذكاء من ضجيج العالم الافتراضي إلى منطقة الهدوء؛ أن تقنعه بأن "خلوة الفهم" التي تمنحها المقالات الجادة هي الحصن الأخير ضد الجهل المغلّف بالتكنولوجيا.