منذ أن أُحدثت خطوط النجدة في المغرب، وهي تُقدَّم باعتبارها إحدى واجهات الدولة الحديثة في تفاعلها اليومي مع المواطن، ومرآة لمدى جاهزية المرفق الأمني في لحظات الخطر. غير أن هذه الثقة، التي بُنيت عبر سنوات من العمل الميداني والتواصل المؤسساتي، تجد نفسها أحيانًا أمام اختبارات قاسية، خاصة حين تنتقل الوقائع من الواقع إلى عدسة الهاتف، ومن محاضر الضبط إلى منصات التواصل الاجتماعي.
في الساعات الأخيرة، انتشر مقطع فيديو لشخص يتهم فيه مصالح الأمن، وبشكل مباشر خط النجدة 19، بعدم التفاعل مع اتصال قال إنه أجراه للتبليغ عن تعنيف سيدة رفقة رضيعها من طرف زوجها بمنطقة مولاي رشيد بالدار البيضاء. صاحب الفيديو لم يكتف بسرد روايته، بل ذهب أبعد من ذلك، متحديًا المسؤولين بالرجوع إلى تسجيل المكالمة وتوقيتها، ومؤكدًا أنه يتوفر على “الدليل” الذي يثبت – بحسبه – تقاعسًا غير مبرر في الاستجابة لنداء استغاثة يحمل طابعًا إنسانيًا حساسًا.
في المقابل، خرجت ولاية أمن الدار البيضاء ببيان حقيقة، حاولت من خلاله تطويق الجدل المتصاعد، نافية بشكل قاطع ما راج من اتهامات، ومؤكدة أن قاعة القيادة والتنسيق بمنطقة أمن مولاي رشيد تفاعلت فور تلقي الإشعار، وحددت موقع المشتكية بدقة، قبل أن يتم الاتصال بها ونقلها رفقة رضيعها إلى مقر المداومة، ثم إيقاف الزوج المشتبه فيه وإخضاعه للبحث القضائي في الليلة نفسها.
البيان الأمني لم يقف عند حدود النفي، بل قدّم تسلسلًا إجرائيًا يوحي، من وجهة نظره، بأن التدخل كان قائمًا وفي الزمن المناسب، وأن الملف أُنجز وفق الضوابط القانونية، قبل أن تُحال الإجراءات على النيابة العامة المختصة، التي قررت التعامل مع القضية في إطار معلومات قضائية، خاصة بعد تصريح المشتكية بعدم رغبتها في متابعة زوجها.
هنا، تتقاطع روايتان متناقضتان في فضاء واحد: رواية مواطن يرفع صوته من منطلق أخلاقي، مستندًا إلى قوة الصورة وانتشارها، ورواية مؤسسة أمنية تعتمد لغة الوثيقة والسجل والمساطر. وبين الطرفين، يقف الرأي العام حائرًا، لا يملك سوى ما يُعرض عليه: فيديو مشحون بالعاطفة والاتهام، في مقابل بلاغ رسمي موزون الكلمات، حريص على الدقة القانونية وعدم المساس بسرية البحث.
القضية، في عمقها، تتجاوز واقعة بعينها. إنها تفتح نقاشًا أوسع حول حدود الثقة بين المواطن والمؤسسة، وحول الدور الذي باتت تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في إعادة تشكيل هذه العلاقة، أحيانًا بسرعة تفوق سرعة التحقق والتدقيق. فهل يكفي انتشار فيديو لإدانة جهاز كامل؟ أم أن البلاغات الرسمية، مهما كانت لغتها محكمة، لم تعد لوحدها قادرة على إقناع جمهور اعتاد الحكم بالصورة قبل المعطى؟
بين ادعاء التقاعس ونفيه، يظل المؤكد أن “خط 19” لم يعد مجرد رقم للطوارئ، بل أصبح رمزًا تُقاس به مصداقية التدخل الأمني في المخيال الجماعي. وفي زمن تتحول فيه كل واقعة فردية إلى قضية رأي عام، يبقى الرهان الحقيقي هو كيف يمكن للحقيقة أن تشق طريقها وسط ضجيج الاتهام وسرعة الانتشار، دون أن تُختزل في فيديو، ولا تُحبس فقط داخل بلاغ.