Preloader Image
news خبر عاجل
clock
سينما الهلال بمراكش: ذاكرة "الحفرة" وتحديات الموروث الثقافي في قلب سيدي يوسف بن علي

سينما الهلال بمراكش: ذاكرة "الحفرة" وتحديات الموروث الثقافي في قلب سيدي يوسف بن علي

شكلت سينما "الهلال" في حي سيدي يوسف بن علي بمراكش فصلاً استثنائياً في تاريخ الفرجة الشعبية بالمغرب، كانت نبضاً اجتماعياً يُحاكي تطلعات أبناء الحي الشعبي العريق. تأسست هذه المعلمة عام 1958 على يد السيد عبد القادر الزݣزوتي، الملقب بـ "لمرامر"، والذي استطاع برؤيته العصامية تحويل مستودع كان مخصصاً لركن حافلاته الخاصة إلى فضاء سينمائي أثث وجدان المراكشيين لعقود. وقد عُرفت السينما شعبياً بلقب "الحفرة"، وهو اسم يحمل دلالات الألفة والبساطة التي طبعت تلك الحقبة، حيث كانت القاعة تفتح أبوابها لعوالم سحرية بدأت بعرض الأفلام الهندية المدبلجة بالدارجة المغربية، في سابقة جعلت من "الهلال" رائدة في تقريب السينما العالمية من الذوق المحلي البسيط.

لقد كانت سينما الهلال تعيش بنظام اجتماعي فريد، حيث امتزج فيها العمل بالسكن والحياة اليومية، فكان الطابق العلوي مسكناً لجنود الخفاء من العاملين أمثال السيد محمد وجرتال والحسين وسي إبراهيم، مما خلق جواً عائلياً انتقل أثره إلى الجمهور. ولم يكن العرض السينمائي يقتصر على الفيلم فحسب، بل كان يسبقه بث النشرات الإخبارية التي تربط الحي بالعالم الخارجي، بينما كانت شخصيات السينما من مؤسسين وعمال ومترددين دائمين، أمثال "فرطوط مول الپيل" والداندان وبطيطة وغيرهم، يشكلون جزءاً من الفلكلور الحي لهذا الفضاء. كانت الأجواء مفعمة بالحيوية، حيث كانت التذاكر تُباع بأسعار زهيدة تناسب القدرة الشرائية لساكنة الحي، مما جعل ارتياد "الحفرة" طقساً أسبوعياً لا غنى عنه.

بالانتقال إلى المشهد السينمائي العام في مراكش، نجد أن سينما الهلال ليست سوى حلقة في سلسلة ذهبية تآكلت مع مرور الزمن، فمراكش التي كانت تفتخر بقاعات مثل "مبروكة"، "باري"، "أطلس"، و"الفتح" وأخرى…، شهدت انحساراً مخيفاً لدور العرض نتيجة الطفرة التكنولوجية والتحولات العقارية. إن وضعية هذه الدور اليوم تطرح علامات استفهام كبرى حول دور الوزارة الوصية على قطاع الثقافة والتواصل، إذ يقع على عاتقها حماية هذه البنايات من الهدم أو المسخ المعماري عبر تصنيفها كتراث وطني، مع تقديم الدعم المادي والتقني لإعادة تأهيلها كفضاءات ثقافية متعددة الوسائط تتماشى مع العصر الحالي دون طمس هويتها التاريخية.

وفيما يخص الجانب القانوني والاجتماعي، تبرز معضلة حقوق الورثة كأحد أكبر التحديات التي تواجه استمرار هذه القاعات، فكثيراً ما تصطدم الرغبة في الحفاظ على الموروث الثقافي بالحقوق المادية للورثة الذين يجدون أنفسهم أمام عقارات ذات قيمة مالية عالية في مواقع استراتيجية. إن الحل يكمن في إيجاد صيغ تشاركية بين الدولة والخواص، تضمن تعويض الورثة بشكل عادل أو إشراكهم في مشاريع استثمارية ثقافية تحافظ على روح المكان. إن إنقاذ ما تبقى من سينما الهلال وباقي دور السينما المراكشية هو استثمار في الذاكرة الجماعية، وضمان لحق الأجيال القادمة في معرفة تاريخ مدينتهم الذي كُتب يوماً ما بالضوء على شاشات "الحفرة" وأخواتها.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات