باشرت المفتشية العامة للمالية عمليات افتحاص واسعة شملت 13 مؤسسة ومقاولة عمومية، إثر رصد شبهات قوية تحوم حول تدبير النفقات عبر آلية "سندات الطلب". وكشفت التحقيقات الأولية عن عيوب بنيوية في مساطر التعاقد، أبرزها غياب المنافسة الحقيقية واللجوء إلى عروض أسعار "صورية" صُممت على مقاس شركات بعينها، بالإضافة إلى تسوية مبالغ مالية لأعمال أُنجزت خارج أي إطار تعاقدي قانوني مسبق.
وأظهرت تقارير الرقابة لجوء بعض الإدارات إلى "تجزئة النفقات" كحيلة للالتفاف على مسطرة طلبات العروض العلنية، وهو ما يعتبر تحايلاً صريحاً على مقتضيات مرسوم الصفقات العمومية الجديد لعام 2023. هذا التلاعب لم يقتصر على الجانب الإداري فحسب، بل امتد ليشمل ضعف الصياغة التقنية وغياب تحديد الآجال والمواصفات؛ مما فتح الباب أمام تجاوزات مست جودة الخدمات المنجزة ورفعت كلفة المشاريع بشكل غير مبرر.
وتأتي هذه التحركات الرقابية الصارمة تفعيلاً لتوصيات المجلس الأعلى للحسابات، خاصة مع تنامي ظاهرة احتكار شركات معينة لطلبيات بعض الإدارات لسنوات طويلة منذ جائحة كورونا. وشدد المفتشون على أن هذه الممارسات، التي تتضمن التلاعب ببيانات الأسعار المرجعية وتغييب المراقبة القبلية والبعدية، تضرب في عمق مبادئ الشفافية والنزاهة، وتضع المسؤولين المتورطين أمام مسؤوليات قانونية جسيمة.