حين تُصبح الأرصفة نفسها مصدراً إضافياً لاختناق الحرارة بدل أن تكون متنفساً للمارة، يطفو سؤال لا يحتمل التأجيل: بأي منطق تُدار اختيارات التهيئة في مدينة مثل مراكش؟ هل تُبنى على دراسات علمية دقيقة تراعي خصوصية مناخ قاسٍ، أم على حلول جاهزة تُسقط على الواقع دون تمحيص؟
جوهر الإشكال لا يرتبط بالشكل، بل بالمادة: الإسفلت. هذه المادة التي أثبتت نجاعتها في تعبيد الطرق المخصصة لحركة المركبات، تطرح علامات استفهام حقيقية حين تُنقل إلى فضاءات مخصصة للراجلين. فالمعروف عنها قدرتها الكبيرة على امتصاص الحرارة والاحتفاظ بها، وهو ما يجعلها عاملاً مساهماً في رفع درجة حرارة المحيط، خاصة في مدن داخلية مثل مراكش، حيث يمتد الحر لفترات طويلة ويبلغ مستويات مرتفعة.
في هذا السياق، لا يبدو الأمر مجرد اختيار تقني بسيط، بل قرار له انعكاسات مباشرة على جودة العيش. الأرصفة ليست امتداداً للطريق، بل فضاءات يومية للمشي والانتظار، يفترض أن توفر الحد الأدنى من الراحة، لا أن تتحول إلى مصدر إضافي للإجهاد الحراري، خصوصاً بالنسبة للفئات الهشة. تقنياً، الإسفلت مادة تتأثر بدرجات الحرارة المرتفعة، سواء من حيث احتفاظها بالحرارة أو من حيث سلوكها الفيزيائي مع مرور الوقت. وهو ما يطرح بإلحاح سؤال الملاءمة: هل تم اعتماد هذه المادة بناءً على دراسات تأخذ بعين الاعتبار الخصوصية المناخية لمراكش؟ وهل تمت مقارنة هذا الخيار ببدائل أخرى معروفة بقدرتها على التخفيف من الحرارة.
من زاوية قانونية، يفترض أن تخضع مثل هذه المشاريع لدفاتر تحملات دقيقة، ودراسات تقنية وبيئية تضمن استدامة الأشغال وجودتها. هذه المقتضيات ليست شكليات، بل ضمانات أساسية لحسن تدبير المال العام. وبالتالي، فإن التساؤل حول مدى احترام هذه الضوابط يظل مشروعاً، ويستدعي توضيحات رسمية، دون القفز إلى استنتاجات مسبقة. ما يثير الانتباه أكثر هو منطق “الاستنساخ” الذي قد يحكم بعض هذه الاختيارات. فهل يُعقل اعتماد نفس المواد في مدن تختلف جذرياً من حيث المناخ؟ مراكش ليست مدينة ساحلية معتدلة، بل مجال حضري له خصوصياته التي تفرض حلولاً مصممة وفق معطيات دقيقة، لا وفق مقاربات عامة.
اليوم، يجد المجلس الجماعي نفسه أمام ضرورة تقديم أجوبة واضحة للرأي العام: ما هي الأسس التقنية التي بُني عليها اختيار الإسفلت للأرصفة؟ ما طبيعة الدراسات التي سبقت هذا القرار؟ وهل تم تقييم أثره الحراري والبيئي على المدى المتوسط والبعيد؟ أسئلة تندرج ضمن الحق في المعلومة، وتعكس حاجة ملحة للشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. في المحصلة، لا يتعلق الأمر برفض التهيئة، بل بالمطالبة بتهيئة ذكية تحترم واقع المدينة. فالأرصفة ليست تفصيلاً ثانوياً، بل جزء من صورة المدينة وراحة ساكنتها. وأي خطأ في اختيار موادها قد يجعل من مشروع التأهيل عبئاً إضافياً، بدل أن يكون خطوة نحو تحسين شروط العيش في مدينة لا ترحمها حرارة الصيف.