لم يكن الرأي العام المراكشي، ولا المتابعون للشأن الوطني، ينتظرون من رئيس جهة مراكش آسفي سمير كودار أن يخوض معركة سياسية أو إعلامية نيابة عن أحد، بقدر ما كانوا ينتظرون أجوبة واضحة حول ملف أصبح خلال الأسابيع الأخيرة من أكثر الملفات إثارة للنقاش والجدل. فحين تتحول أراضٍ كانت تحمل طابعاً فلاحياً إلى مشاريع عمرانية واستثمارية ضخمة، وحين تتداول وسائل إعلام وطنية ومنصات رقمية معطيات وتحليلات بشأن الملف، وحين يصبح الموضوع حديث المجالس ومنصات التواصل الاجتماعي، فإن أول ما يبحث عنه المواطن ليس المواقف ولا الاصطفافات ولا الردود الانفعالية، بل الحقيقة الكاملة. ولذلك يحق التساؤل: هل جاءت خرجة سمير كودار لتقديم هذه الحقيقة للرأي العام؟ أم أنها اكتفت بالدفاع عن أطراف معينة دون أن تقدم ما يكفي من المعطيات التي تسمح بتكوين صورة واضحة ومتكاملة؟ وهل كان الهدف الإجابة عن الأسئلة أم تحويل النقاش نحو نوايا من يطرحها؟ وهل يعقل أن يتحول ملف عمومي بهذا الحجم إلى نقاش حول الصحافة بدل مناقشة الوقائع نفسها؟
من الغريب والخطير جداً في الممارسة السياسية الحالية، أن يتم التعامل مع كل مقال صحفي أو تحقيق استقصائي أو تساؤل مشروع يتناول شخصية سياسية أو مسؤولاً عمومياً، على أنه “استهداف شخصي” أو “حرب بالوكالة” تُحرّكها جهات خصومة أو أجندات خفية. إن إقحام الصحافة الجادة في صراعات الأجنحة، ومحاولة تصويرها كسلاح يُستعمل لضرب طرف لحساب طرف آخر، هو تسطيح خطير للوعي العام، وخلط مقصود للأوراق، وهروب إلى الأمام بدل مواجهة الأسئلة التي يطرحها الرأي العام. وفي هذا السياق، تؤكد جريدة "سبق بريس" بشكل واضح لا لبس فيه أنها ليست أداة في يد أي طرف، ولن تكون كذلك تحت أي ظرف. وكما أن الحقل السياسي يعرف تباينات وتوجهات مختلفة، فإن المشهد الإعلامي بدوره يضم منابر مهنية جادة تشتغل وفق قواعد المسؤولية، وأخرى لا تعكس بالضرورة هذا المستوى من الالتزام، دون أن يعني ذلك التعميم أو الوصم. نحن لا ننخرط في منطق التخوين، ولا نستخدم مطلقاً ورقة “القرب من الاستحقاقات الانتخابية” أو أي تأويل سياسي جاهز لتفسير عملنا. غايتنا الوحيدة، الواضحة والثابتة، هي تنوير الرأي العام، ونقل المعلومة، وطرح الأسئلة المشروعة، والدفاع عن حق المواطن في المعرفة، دون تأكيد أو نفي لأي معطيات متداولة ما لم تحسمها الجهات المختصة، مع استعداد دائم لتحيين المعطيات كلما ظهرت عناصر جديدة.
والأكثر إثارة للانتباه أن الخرجة الإعلامية جاءت في وقت كان الجميع ينتظر فيه مستوى أعلى من التواصل والوضوح. فبدل ندوة صحفية مفتوحة أمام مختلف المنابر الإعلامية، تسمح بطرح الأسئلة الصعبة والمحرجة ومناقشة جميع التفاصيل دون استثناء، اختيرت صيغة جعلت كثيرين يتساءلون: لماذا لم يتم فتح الباب أمام جميع الصحفيين؟ ولماذا لم يتم تمكين الرأي العام من الاطلاع على عرض متكامل للمعطيات؟ ولماذا لم يتم تقديم الوثائق التي يمكن أن تنهي الجدل بشكل نهائي؟ ولماذا تم الاكتفاء بصيغة تواصلية أحادية بدل اعتماد مقاربة تفاعلية شاملة كان من شأنها أن تضع حداً لكل التأويلات؟ وهل كان من الممكن أن يخرج الملف من دائرة الجدل لو تمت مواجهته منذ البداية بمنطق الشفافية الكاملة بدل النقاش الجزئي المتقطع؟
ثم إن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح أكبر هو: لماذا بدا أن جزءاً مهماً من الخرجة الإعلامية انشغل بالرد على من أثاروا الملف أكثر من انشغاله بالملف نفسه؟ ولماذا تم التركيز على الخلفيات المفترضة للمنتقدين أكثر من التركيز على تبديد علامات الاستفهام التي تشغل المواطنين؟ وهل أصبح النقاش حول القضايا العمومية يقاس بنوايا من يطرح السؤال أم بقوة الجواب المقدم عليه؟ وإذا كانت بعض الأطراف تعتبر أن الملف لا يثير أي إشكال وأن كل شيء واضح، فلماذا لا يتم اللجوء إلى أقوى سلاح يمكن أن ينهي الجدل نهائياً: الشفافية الكاملة؟ ولماذا لا يتم وضع جميع المعطيات أمام الرأي العام وترك المواطنين يحكمون بأنفسهم؟ وهل يمكن فعلاً إقناع الناس اليوم بالاكتفاء بالتصريحات في عصر أصبحت فيه الوثيقة والمعطيات الدقيقة أكثر تأثيراً من أي خطاب سياسي أو إعلامي؟
الأكثر إثارة للانتباه أن هذا الجدل لم يعد مجرد نقاش حول عقار أو مشروع أو قرار إداري، بل تحول إلى نقاش أوسع حول كيفية تدبير التواصل مع الرأي العام. فهل تدرك النخب السياسية أن منسوب الثقة لم يعد يبنى بالشعارات بل بالمعطيات؟ وهل تدرك أن المواطن أصبح أكثر حساسية تجاه أي ملف يثار حوله نقاش واسع؟ وهل كان من الحكمة الاكتفاء بخطاب دفاعي في وقت كان الجميع ينتظر خطاباً تفسيرياً مدعوماً بالأرقام والوثائق والتفاصيل؟ ثم لماذا يشعر كثير من المتابعين أن الخرجة الإعلامية، بدل أن تغلق الملف، منحت له حياة جديدة وأعادت تسليط الضوء عليه من جديد؟ ولماذا خرج عدد من المواطنين بانطباع مفاده أن الأسئلة التي كانت مطروحة قبل الخرجة ما زالت قائمة، بل أضيفت إليها أسئلة أخرى مرتبطة بطريقة تدبير التواصل نفسها؟
وفي النهاية، لا أحد يملك سلطة الإدانة ولا حق إصدار الأحكام خارج المؤسسات المختصة، ولا أحد يستطيع أن يحل محل القضاء أو الجهات المخول لها قانوناً النظر في أي معطيات أو وثائق أو وقائع. لكن في المقابل، لا أحد يستطيع أيضاً أن يمنع الرأي العام من طرح الأسئلة، ولا أن يصادر حق الصحافة في البحث والاستفسار والمتابعة. ولذلك يبقى السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه اليوم: إذا كانت خرجة سمير كودار قد جاءت لإغلاق باب الجدل، فلماذا يشعر كثيرون بأنها فتحت أبواباً جديدة للنقاش؟ وإذا كانت قد هدفت إلى طمأنة الرأي العام، فلماذا ما زالت المطالب تتصاعد من أجل مزيد من الشفافية ومزيد من التوضيح ومزيد من المعطيات؟ وهل نشهد قريباً خطوة تواصلية أكثر جرأة وانفتاحاً، تقوم على عرض الوقائع كاملة أمام الرأي العام، أم أن مسلسل الأسئلة سيستمر لأن الأجوبة المقدمة إلى حدود الساعة لم تنجح بعد في إقناع جميع المتابعين؟ تلك أسئلة مشروعة لا تحمل حكماً مسبقاً على أحد، لكنها تعكس حقيقة واحدة: كلما كبر الملف، كبرت معه الحاجة إلى الوضوح، وكلما اتسع الجدل، ازدادت قيمة الشفافية.