في اليوم الثالث من رمضان، تستيقظ في ذاكرة كل مراكشي تلك الصورة البعيدة لـ "خيط الروح"؛ الطقس الذي ابتدعته "النسوة" بذكاء فطري لترويض طفولتنا على مشقة الصيام. نتذكر كيف كانت الأم المراكشية تقنعنا بأننا "خيطنا الروح"، أي أننا صمنا نصف النهار الأول ثم "خيطناه" بنصف النهار الثاني في اليوم الموالي، لتوهمنا بأننا ملكنا يوماً كاملاً في رصيدنا الإيماني الصغير. هذا "الخياط الروحاني" لم يكن فقط حيلة، بل كان أول درس في الصبر والتربية، حيث كنا نشعر بوقار خاص ونحن نرى الكبار يباركون لنا هذا "الخيط" الذي يربطنا بعالم الكبار.
ومع اقتراب أذان المغرب في هذا اليوم الثالث، كانت "الأمهات " تحولن البيت إلى احتفالية كبرى للطفل الذي بدأ "يخيط" صيام عطلته. نتذكر تلك اللحظة المهيبة التي كانت تضع فيها الأم "اللويزة" (القطعة الذهبية) أو خاتمها الخاص في قعر "الزلافة" قبل سكب الحريرة، كجائزة على صمودنا. كان هذا الطقس المراكشي الأصيل، الذي يربط بين قيمة المعدن النفيس وقيمة الصبر، هو الذي غرس فينا هيبة الشهر؛ حيث كنا نشرب الحريرة بحذر لنصل إلى "الكنز" في القاع، وسط زغاريد خافتة وتشجيع يملأ "الوسطية" فخراً.
ولا يغيب عن البال دور "السطح" في هذه الطفولة؛ حيث كنا نتسابق لمراقبة "صومعة الكتبية" أو "المواسين" بانتظار إشعال "المصابيح الخضراء" (المنارة) بالتزامن مع طلقة "المدفع". كانت تلك اللحظة هي "شهادة النجاح" التي ننتظرها، حيث نصرخ في أزقة الدرب: "شعلات! شعلات!". كانت الأمهات يراقبننا بابتسامة حانية من وراء "المشربيات"، مدركات أن هذا التدريج هو الذي يصنع رجالاً ونساءً يقدسون "حرمة" رمضان؛ فبين "خيط الروح" ودعاء الجدة، تعلمت أرواحنا أن الصيام هو انتصار للروح على الجسد.
إن استحضار هذا الطقس اليوم هو تحية لكل "لالة" مراكشية عرفت كيف تزرع فينا الصيام بـ "خيط من ذهب"؛ فخلف كل "بهجة" نعيشها اليوم في موائدنا، ذكرى ذلك الطفل الذي كان يظن أنه "خاط" النهار بالنهار ليرضي أمه. هكذا تظل مراكش مدينة الوفاء للذاكرة، حيث لا يمر رمضان دون أن نترحم على زمن "خيط الروح" الذي جعل منا قوماً يقدرون قيمة الصبر ويقدسون "الكلمة" والموعد.