بقلم: ذ. الحسين العطشان
في مشهدٍ يكشف أكثر مما يُخفي، سقط المعلق المعلوم حفيظ دراجي في امتحان المهنية سقوطاً مدوّياً، حين تحوّل من ناقلٍ للحدث إلى صانعٍ للضغينة، ومن شاهدٍ على كرة القدم إلى بوقٍ للسخرية الرخيصة.
الواقعة بسيطة في ظاهرها: دخول اللاعب المغربي براهيم دياز في الدقيقة السادسة والثمانين مع نادي ريال مدريد، وأداؤه لواجبٍ تكتيكيّ معروف في كرة القدم الحديثة؛ التمدّد خلف الحائط البشري لصدّ كرةٍ ثابتة زاحفة—وهو سلوك تقني مشروع، بل معمول به في كبريات الملاعب الأوروبية. غير أن المعلّق، بدلاً من تفسير اللقطة وتأطيرها مهنياً، اختار درب الاستهزاء، فضحك وسخر أمام الملايين، مختزلاً مشاركة لاعب دولي في “تمدّد على الأرض”!
أيُّ انحدارٍ هذا؟ وأيُّ استخفاف بعقول المشاهدين؟
المعلّق المحترف يشرح، يحلّل، ويُثري الفهم؛ لا يصفّي حساباته عبر الميكروفون. أما تحويل لحظة تكتيكية عادية إلى مادةٍ للتهكّم، فليس سوى إفلاسٍ في الحجة، وعجزٍ عن قراءة أبجديات اللعبة.
براهيم دياز ليس اسماً عابراً في قائمة احتياط. هو لاعبٌ احترف في أحد أعظم أندية العالم، وكم من مرةٍ دخل بديلاً فغيّر الإيقاع، وسجّل، وصنع الفارق. الاحتياط ليس وصمة، بل خيارٌ تقنيّ في منظومة تنافسية عالية. ومن يجهل ذلك، فالأجدر به أن يراجع دفتر المهنة قبل أن يراجع نبرته.
الكرة تُبنى على الاحترام، لا على السخرية. والميكروفون أمانة، لا منصة للتقليل من شأن الآخرين. أما التلميح بأن أداء واجبٍ دفاعيّ مشروع مادةٌ للضحك، فليس إلا انعكاساً لضيق أفقٍ لا يليق بمهنةٍ تُفترض فيها الرصانة.
نحن مع لاعبينا حين يُجيدون، ومعهم حين يُجتهدون. نرفعهم بالإنصاف لا بالشعارات، وندافع عنهم بالحجة لا بالصخب. وأما من اختار السخرية طريقاً، فليعلم أن المهنية ليست ادّعاءً يُقال، بل سلوكاً يُمارَس.
ويبقى براهيم دياز اسماً يزداد حضوراً كلما اشتدّ التحدي، وتبقى القامات الكبيرة أكبر من أن تنال منها قهقهة عابرة.