يعيش المئات من المغاربة على طوابير الانتظار، يترقبون "هبة حياة" قد تأتي من جسد غادرنا، لكن الواقع الصادم يشير إلى أن رغبة المتبرع في المغرب غالباً ما تُدفن معه تحت التراب. ورغم أن القانون المغربي (رقم 16.98) ينظم العملية، إلا أن الفراغ بين "النية" و"التنفيذ" يظل شاسعاً بسبب تدخل العائلة أو غياب آلية تقنية فورية لإثبات الرغبة في التبرع لحظة الوفاة.
من الناحية القانونية الصرفة، السيادة هي لإرادة الشخص قبل وفاته. إذا صرح الشخص برغبته في التبرع (عبر تقييد اسمه في سجل التبرع بالمحاكم الابتدائية)، فإن هذه الوصية تعتبر ملزمة قانوناً.
ومع ذلك، في اللحظات الحرجة داخل المستشفيات، يجد الأطباء أنفسهم في مواجهة مباشرة مع عائلات مكلومة ترفض "المساس" بجسد فقيدها، حتى لو كان المتوفى قد أبدى رغبته مسبقاً. هنا يبرز الإشكال: غياب السند الرقمي الفوري يجعل الطبيب عاجزاً عن إقناع العائلة أو إثبات أحقية المتوفى في تنفيذ وصيته قبل فوات الأوان (حيث أن عامل الزمن حاسم في نقل الأعضاء).
إن إنشاء منصة رقمية وطنية مركزية، ضرورة إنسانية وقانونية لضمان عدم ضياع فرص إنقاذ الأرواح. هذه المنصة يجب أن تتميز بـ:
1. الربط الفوري بالبطاقة الوطنية: بمجرد إدخال رقم البطاقة الوطنية للمتوفى، يظهر للطبيب المختص "وسم" يؤكد تسجيله كمتبرع.
2. الحجية القانونية: يجب أن يعتبر التسجيل في هذه المنصة بمثابة "عقد إلكتروني" لا يحق لأي جهة، بما في ذلك العائلة، الاعتراض عليه، تماماً كما تُحترم الوصايا المالية.
3. تسهيل الإجراءات: تعويض المسطرة البيروقراطية الحالية في المحاكم بتسجيل رقمي مؤمن يحفظ الخصوصية ويسرع عملية التحقق.
حماية رغبة المتبرع.. حق أخلاقي وقانوني
الدفاع عن التبرع بالأعضاء في المغرب يتطلب "حزماً تشريعياً". لا يمكن أن تظل رغبة مواطن في إنقاذ حياة الآخرين رهينة "بقبول أو رفض" الأقارب. إن الجسد في هذه الحالة ليس "إرثاً عائلياً" يتصرف فيه الورثة، بل هو صاحب الوصية الأولى والأخيرة.
إن تحديث الترسانة القانونية لتشمل "الإذن الرقمي المسبق" سيحرر الأطباء من ضغط العائلات ويمنح المتبرع الطمأنينة بأن رغبته ستنفذ بدقة، مما سيساهم في رفع أعداد المتبرعين وتقليص لائحة الوفيات بسبب الفشل العضوي.
إن "الحق في الحياة" الذي يمنحه المتبرع لغيره هو أسمى تجليات المواطنة، وحماية هذا الحق تتطلب من المشرع المغربي الانتقال من السجلات الورقية المنسية في ردهات المحاكم إلى نظام رقمي ذكي يرافق المواطن في حياته، ويضمن تنفيذ وصيته بعد مماته.