Preloader Image
news خبر عاجل
clock
ديور المساكين بالداوديات: بيع “النفحة” في العلن… وما الذي يجري في الكواليس؟

ديور المساكين بالداوديات: بيع “النفحة” في العلن… وما الذي يجري في الكواليس؟

ليست الرائحة وحدها ما يلفت الانتباه في بعض أزقة ديور المساكين بحي الداوديات في مراكش. هناك شيء آخر يتسلل بهدوء، يتمدد في الفراغات، ويتحوّل مع الوقت إلى مشهد مألوف حدّ التطبيع. “النفحة” — كما يسميها المتداولون — لم تعد مجرد لفظة عابرة في أحاديث المراهقين، بل صارت عنواناً لقلق يومي يعيشه سكان الحي، وموضوعاً يتكرر في جلساتهم أكثر مما ينبغي.

في قلب هذا الجدل، يتكرر ذكر كشك تقليدي صغير. ليس محلاً تجارياً كبيراً، ولا نقطة بيع مرخّصة من محلات بيع التبغ والسجائر المعروفة قانونياً والخاضعة لتأطير واضح. مجرد كشك عادي، كما تصفه الساكنة. لكن السؤال الذي يتردد همساً وعلناً: ماذا يُباع فعلياً داخله؟ وهل يخضع هذا النشاط لأي إطار قانوني واضح؟

عدد من الجيران، في تصريحات متطابقة دون رغبة في كشف هوياتهم، يتحدثون عن بيع نوع من المواد المعروفة محلياً باسم “النفحة”. مادة يعتبرها كثيرون مدخلاً إلى عوالم أكثر خطورة، أو على الأقل بداية اعتياد مقلق لدى فئات عمرية صغيرة. سنوات تمرّ — بحسب ما يتداوله السكان — والنشاط مستمر. وهنا تبدأ الأسئلة الثقيلة التي لا تبحث عن اتهام بقدر ما تبحث عن تفسير.

هل “النفحة” مادة مسموح ببيعها لأي شخص دون قيد أو شرط؟

هل يتطلب بيعها ترخيصاً خاصاً؟

هل يخضع هذا النوع من الأكشاك لمراقبة إدارية وصحية وأمنية دورية؟

وإن كانت المراقبة موجودة، فما نتائجها؟ وإن لم تكن، فمن المسؤول عن هذا الفراغ؟

الأسئلة لا تتوقف هنا.

داخل الحي، تتداول ألسنة كثيرة روايات أخرى — لا يمكن الجزم بصحتها — تتحدث عن امتلاك صاحب الكشك لعقارات وأملاك تُقدّر بمبالغ كبيرة، وعن وضع مادي يُوصف بأنه يفوق بكثير ما قد يدرّه نشاط بسيط من هذا النوع. هي مجرد أحاديث سكان، لا تؤكد ولا تنفي شيئاً، لكنها تعكس دهشة حقيقية:

هل يمكن لنشاط بيع مادة واحدة داخل كشك تقليدي أن يحقق عائدات تسمح بتراكم ثروة معتبرة؟

ما هو حجم الأرباح المحتمل لمثل هذا النشاط إن كان مقتصراً فعلاً على هذه المادة وحدها؟

وهل الحسابات المنطقية البسيطة تدعم ما يُشاع، أم أن هناك مبالغة في الروايات؟

بعض السكان يذهبون أبعد من ذلك في أحاديثهم الخاصة، متسائلين إن كانت هناك أنشطة أخرى “تجري في الكواليس” غير تلك المعلنة. مرة أخرى، لا تأكيد ولا نفي، فقط تداول لكلام يتكرر بما يكفي ليصبح جزءاً من المزاج العام للحي. والسؤال هنا ليس عن صحة الإشاعة، بل عن سبب انتشارها: لماذا يشعر الناس بوجود ما يستدعي الريبة؟ وأين هي المعلومة الرسمية التي يمكن أن تقطع الشك باليقين؟

ثم هناك سؤال لا يقل حساسية: أين موقع الأجهزة المعنية بالمراقبة في كل هذا؟

هل تم القيام بعمليات تفتيش دورية؟

هل تم التحقق من طبيعة المواد المباعة؟

هل هناك شكايات رسمية قُدمت؟ وإن وُجدت، كيف تم التعامل معها؟

وإذا لم تُسجل شكايات، فهل الخوف أو فقدان الثقة هو ما يمنع السكان من التبليغ؟

دور الأمن في مثل هذه الحالات لا يُختزل في التدخل الزجري، بل يشمل أيضاً الطمأنة، التواصل، وإظهار أن القانون يُطبّق على الجميع دون استثناء. فحين يستمر نشاط مثير للجدل لسنوات، يتولد لدى الناس شعور بأن هناك شيئاً غير مفهوم، سواء كان ذلك مجرد سوء فهم، أو نقصاً في المعلومة، أو خللاً في المراقبة.

بعيداً عن الأشخاص، الصورة أوسع. ديور المساكين بالداوديات، كغيره من الأحياء الشعبية، يعيش ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً واضحاً. شباب كثير، فرص قليلة، فضاءات رياضية محدودة، أنشطة ثقافية نادرة، وبطالة تجعل الفراغ سيد الموقف. في مثل هذا السياق، أي مادة يسهل الحصول عليها تتحول إلى متنفس، ثم إلى عادة، ثم إلى نمط استهلاك يصعب احتواؤه.

فهل الحل في مطاردة الأفراد فقط؟

أم في معالجة البيئة التي تسمح بازدهار مثل هذه الظواهر؟

أين هي مراكز الشباب الفاعلة؟

أين الملاعب المفتوحة؟

أين البرامج التي تستوعب طاقات المراهقين قبل أن تستوعبهم الزوايا المظلمة؟

القضية، كما يراها كثير من السكان، ليست حملة ضد شخص بعينه، بل مطالبة بالوضوح. وضوح في الوضع القانوني، وضوح في طبيعة النشاط، وضوح في حجم المراقبة، وضوح في الأرقام. لأن الغموض هو التربة الخصبة لكل إشاعة، وكل اتهام غير موثق، وكل فقدان للثقة.

اليوم، الأسئلة أكبر من كشك، وأكبر من مادة.

السؤال الحقيقي: هل تملك المؤسسات المعنية الشجاعة الكافية لتقديم إجابات شفافة؟

وهل يحق لحيٍّ كامل أن يظل رهينة همس طويل؟!

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات