أضاحي العيد بولاية جهة مراكش آسفي… من يحول الصحافة إلى مجال للاسترزاق على حساب استقلاليتها؟
في ظل ما يتم تداوله دون أي تأكيد رسمي حول احتمال استفادة بعض الصحفيين أو المنتسبين إلى الحقل الإعلامي من توزيع أضاحي العيد من طرف ولاية جهة مراكش آسفي، يطفو إلى السطح نقاش يتجاوز حدود الخبر بكثير، ليصطدم مباشرة بجوهر العدالة الاجتماعية ومعايير الاستحقاق، في وقت يُفترض فيه أن تُوجَّه أي مبادرات اجتماعية – إن وُجدت – إلى الفئات الهشة والمعوزة التي تعيش ضغط الحاجة اليومية، لا إلى فئات مهنية لا تدخل في دائرة الهشاشة. فأي منطق يمكن أن يبرر، ولو نظرياً، هذا الخلط بين الاستحقاق الاجتماعي الحقيقي وبين الانتماء المهني؟ وأين تنتهي حدود الدعم الاجتماعي وأين يبدأ الانزلاق نحو فقدان بوصلته؟
ثم كيف يُسمح بأن يتحول اسم الصحافة، حتى في إطار التداول غير المؤكد، إلى مادة تُستحضر في سياق الامتيازات بدل سياق المسؤولية؟ أليس في ذلك مساس مباشر بصورة “السلطة الرابعة” التي يفترض أن تكون مستقلة وراقبة لا طرفاً في أي منطق استفادة؟ وبأي حق يُترك هذا الخلط يتغذى، حتى يُصبح الرأي العام عاجزاً عن التمييز بين الصحفي المهني الذي يؤدي رسالته، وبين بعض الممارسات أو التصورات التي تسيء إلى المهنة وتختزلها في زاوية ضيقة لا علاقة لها بدورها الحقيقي؟ وهل ندرك حجم الضرر الذي يلحق بالمهنة عندما تُستدعى في غير سياقها وتُربط تلقائياً بمنطق الانتفاع؟
وفي العمق، يفرض هذا الجدل سؤالاً أكثر حدّة: من هم “المستفيدون” فعلاً إن وُجدت مثل هذه المبادرات؟ وبأي معايير يتم اختيارهم؟ وهل نتحدث عن صحفيين مهنيين مؤطرين قانونياً ومسؤولين مهنياً، أم عن خلط غير منضبط بين فئات مختلفة داخل الحقل الإعلامي، يجعل من الاستحقاق مفهوماً مطاطاً قابلاً للتأويل؟ وكيف يمكن قبول هذا الغموض في قطاع يُفترض أنه أول المدافعين عن الوضوح والشفافية؟
ثم من المسؤول عن هذا التآكل التدريجي لصورة الجسم الصحفي؟ أليس من يروج أو يشارك أو يغذي هذا النوع من التصورات دون تدقيق شريكاً في ضرب الثقة العامة في الصحافة؟ وبأي منطق تُختزل مهنة بكاملها في سلوكيات فردية أو تأويلات غير دقيقة، بينما يُفترض أن يُنظر إليها كجسم مهني واسع يضم آلاف الصحفيين الذين يشتغلون في ظروف صعبة وبروح المسؤولية والاستقلالية؟ أليس هذا ظلماً مزدوجاً: للمهنة أولاً، وللرأي العام الذي يُقدم له صورة مشوهة؟
ثم يبرز سؤال لا يقل خطورة: أليس من الواجب محاسبة كل من يساهم في الإساءة لصورة الجسم الإعلامي، سواء عبر الترويج لمعلومات غير دقيقة أو عبر تعميمات تمس كرامة المهنة؟ وبأي منطق يُترك هذا التشويه يمر دون مساءلة أخلاقية أو مهنية؟ ومن يحمي حق الصحافة في صورتها العامة عندما تُستهدف بالاختزال والتشويه في كل جدل من هذا النوع؟ وهل يمكن لمجتمع يريد إعلاماً قوياً ومستقلاً أن يتسامح مع من يضرب الثقة فيه من الداخل أو عبر الخطاب العام؟
إذا كانت مصداقية الصحافة تُبنى على الاستقلالية والالتزام والرقابة، فإلى أي حد يمكن السكوت عن هذا النوع من الخطابات التي تُعيد إنتاج صورة مشوهة عنها في كل مرة؟ وهل يمكن الحديث عن سلطة رابعة قوية إذا تُرك الباب مفتوحاً أمام كل من يختزلها في منطق الاستفادة، أو يساهم في ضرب صورتها دون أي مساءلة؟ وأليس من الضروري اليوم وضع حد واضح وصارم لكل من يسيء إلى الجسم الإعلامي، حمايةً لكرامته المهنية وصوناً لثقة المجتمع فيه؟