قبل "قاسم أمين" والطهطاوي بقرون.. كيف أسست نساء مراكش "دستور المساواة" في قلب الحضارة المغربية
في الوقت الذي يربط فيه مؤرخو الحداثة "تحرير المرأة" بصرخة قاسم أمين في القاهرة مطلع القرن العشرين، أو بأفكار رفاعة الطهطاوي في "المرشد الأمين"، تكشف وثائق التاريخ المراكشي عن حقيقة مذهلة: "المرأة المراكشية" لم تكن تنتظر من يحررها، بل كانت شريكة في السيادة، ومهندسة للعمران، وقائدة للفكر منذ لحظة وضع حجر الأساس للمدينة الحمراء قبل قرابة ألف عام.
بينما كان العالم يتجادل حول "أهلية المرأة"، كانت مراكش تعتمد "دستوراً غير مكتوب" للمساواة، تجسده سبع نساء خالدات، وضعن الأسس التي تسير عليها "المرأة الحديدية" في مراكش اليوم، مؤكدات أن القيادة في "بهجة الجنوب" هي جين وراثي لا يتأثر بمرور الزمن.
عبقرية "النفزاوية" مقابل تنظير "الطهطاوي"
إذا كان رفاعة الطهطاوي قد نادى بتعليم المرأة كشرط للنهضة، فإن زينب النفزاوية جسدت "النهضة" ذاتها. لم تكن مجرد زوجة لمؤسس الدولة المرابطية، بل كانت "العقل الاستراتيجي" وراء اختيار موقع مراكش وتخطيطها السياسي. لقد مارست النفزاوية "السيادة" في أبهى صورها، مبرهنةً على أن تدبير شؤون الحواضر الكبرى هو تخصص مراكشي أصيل بامتياز أنثوي.
بينما طالب قاسم أمين بإنصاف المرأة اجتماعياً، كانت حفصة الركونية في مراكش تكسر احتكار الرجال للمجالس العلمية والأدبية في القرن الثاني عشر. لقد أرست حفصة مفهوم "المساواة المعرفية"، حيث كانت تدرّس الأدب وتناظر الفحول، لتثبت أن العقل المراكشي لا يعترف بالفوارق حين يتعلق الأمر بالعلم والقيادة.
"السبع نساء".. الأضلاع التي رفعت سماء مراكش
لقد قامت مراكش على تكامل فريد، فبجوار "السبعة رجال"، هناك "سبع نساء" رسمن خارطة الطريق للمستقبل:
سحابة الرحمانية: التي وضعت أسس "الدبلوماسية النسائية" العابرة للحدود.
مسعودة الوزكيتية: "أم الخير" التي قادت ثورة العمران والإحسان بصمت العظماء.
منية تاكونت: التي أثبتت أن "التصوف والمعرفة" رحلة لا تكتمل إلا بنون النسوة.
سعيدة التطيلية: الأديبة التي جعلت من "الوراقة" والكتاب جسراً للحرية.
مراكش اليوم.. الوفاء للإرث
إن ما تشهده مراكش في العصر الراهن من قيادة أنثوية لافتة لملفات التنمية الكبرى (في إشارة لعمودية المدينة)، ليس فقط صدفة سياسية أو "موضة" حداثية، بل هو استدعاء واعٍ لإرث النفزاوية والوزكيتية.
لقد أثبتت مراكش عبر العصور أنها مدينة لا تُبنى بنصف واحد؛ فإذا كان الرجل هو سورها، فإن المرأة هي روحها وعقلها المدبر. إنصاف نساء مراكش اليوم هو اعتراف بأن "النهضة" تبدأ حين يتساوى الجميع في المسؤولية والجهد والاحترام المتبادل، وهو الدرس الذي صدرته مراكش للعالم قبل قرون من ظهور كتب التحرير.
ستظل مراكش "بلاد الله" حقاً، المدينة التي أنصفت فيها "نون النسوة" التاريخ، وتركت للأجيال إرثاً يقول: "العظمة لا تعرف جنساً، بل تعرف إرادة".