في مدينة بحجم مراكش، حيث تتقاطع رهانات التنمية مع ضغط التوسع العمراني وتحديات الحفاظ على النظام العام، لم يعد التدبير الترابي يحتمل أي هامش من التشتت في توزيع الجهود. فالمدينة الحمراء، التي تعيش على وقع أوراش كبرى وتحولات متسارعة، تفرض اليوم نموذجًا إداريًا قائمًا على الحضور الميداني المكثف، وسرعة التدخل، واليقظة المستمرة. وهي معطيات تزداد راهنيتها في ظل التحولات التي تعرفها الإدارة الترابية بالمملكة، وكذا الحركة الجزئية الأخيرة لإعادة الانتشار في صفوف رجال السلطة بمراكش.
في هذا السياق، يبرز على مستوى النقاش المحلي نموذج تدبيري يثير تساؤلات متزايدة، يتعلق بالإشراف المتزامن على ملحقتين إداريتين. ويُطرح هذا الموضوع في ارتباط بوضعية القائد سليمان الزيتوني، الذي يشرف منذ مدة ليست بالقصيرة على ملحقتي الدوديات وأسـيل، في تجربة تعكس، وفق متتبعين، مسارا مهنيا راكم فيه خبرة ميدانية وكفاءة إدارية مشهود لها، خاصة على مستوى تتبع الملفات اليومية والحد من بعض الظواهر، وعلى رأسها البناء غير القانوني الذي سجل تراجعا ملحوظا خلال فترة إشرافه.
غير أن طبيعة المرحلة الراهنة، بما تحمله من تعقيدات وتحديات متزايدة، تفرض قراءة مغايرة لهذا النمط من التدبير. فالجمع بين ملحقتين إداريتين، وإن كان يعكس من حيث المبدأ ثقة في الكفاءة، إلا أنه يطرح عمليًا إشكالية القدرة على ضمان نفس مستوى التركيز والتتبع الميداني الدقيق في مجالين ترابيين مختلفين، لكل منهما خصوصياته وإكراهاته. إذ أن مهام تنزيل برامج التنمية الاجتماعية، ومراقبة المجال الحضري، والتصدي لمظاهر البناء غير القانوني واستغلال الملك العمومي، تتطلب حضورا دائما وتدخلا فوريا لا يحتمل التشتت.
وتفيد معطيات متداولة في أوساط مهتمة بالشأن المحلي، دون أن ترقى إلى مستوى المعطيات الرسمية المؤكدة، بأن مجال نفوذ ملحقة الدوديات عرف، في فترات متفرقة، بعض مظاهر استغلال الملك العمومي، حيث يُرجع بعض المتتبعين ذلك إلى ما يُوصف بوجود تفاوت في أداء بعض أعوان السلطة على مستوى المراقبة الميدانية. وهي ملاحظات تبقى نسبية وغير قابلة للتعميم، كما أن معالجتها تظل رهينة بالمساطر القانونية وآليات التتبع الإداري المعمول بها.
وفي قراءة أوسع، يرى مهتمون أن مثل هذه المؤشرات، إن وجدت، لا تعكس بالضرورة خللا فرديا، بقدر ما ترتبط بطبيعة توزيع المسؤوليات حين تتجاوز نطاقها العملي. فكلما اتسعت دائرة الإشراف وتعددت بؤر التدخل، كلما أصبح من الصعب الحفاظ على نفس درجة اليقظة والصرامة في جميع المجالات، وهو ما قد يفتح، بشكل غير مباشر، هامشًا تستغله بعض السلوكات غير المنضبطة.
وفي هذا الإطار، تكتسي الحركة الجزئية الأخيرة لإعادة الانتشار في صفوف رجال السلطة بمراكش دلالة خاصة، باعتبارها آلية لتجديد النخب الإدارية وتحقيق نوع من التوازن في توزيع الكفاءات. كما تعزز، وفق بعض القراءات، الطرح القائل بضرورة إعادة النظر في بعض وضعيات الجمع بين المهام، بما يسمح بتركيز الجهود وضمان فعالية ميدانية أكبر، خاصة في سياق حضري معقد ومتسارع التحول.
في المحصلة، لا يتعلق النقاش بتقييم أشخاص أو مسارات مهنية، بقدر ما يرتبط بمدى ملاءمة نماذج التدبير المعتمدة مع متطلبات المرحلة. فمراكش اليوم، بحكم مكانتها الوطنية والدولية، تحتاج إلى إدارة ترابية عالية التركيز، قريبة من الميدان، وقادرة على مواكبة التحولات دون ترك أي فراغات محتملة. وبين تثمين الكفاءات القائمة، تظل الحاجة قائمة إلى توزيع أكثر توازنا للمسؤوليات، يضمن النجاعة، ويعزز الحكامة، ويكرس مبدأ التدبير الترابي القائم على الفعالية والاستباقية.