Preloader Image
news خبر عاجل
clock
ارموا الصحفي في البحر! (قصة محاكمة علنية لمهنة المتاعب)

ارموا الصحفي في البحر! (قصة محاكمة علنية لمهنة المتاعب)

نظرتُ إلى تلك الصورة المتداولة بكثرة على الفيسبوك، ولم أرَ فيها منشوراً عابراً صُمم للبحث عن التفاعل والتعليقات. رأيت شيئاً أعمق بكثير؛ رأيت محاكمة علنية وجائرة للمهنة التي نذرتُ لها حياتي. قارب صغير، يتمايل فوق أمواج افتراضية، يحمل خمسة أشخاص: شرطي، معلم، جندي، طبيب، وصحفي. كان السؤال المرفق بالصورة يبدو بريئاً في ظاهره، خبيثاً في باطنه: "القارب لا يحتمل سوى أربعة.. من ستلقون به في البحر؟".

لم تكن الصدمة في السؤال، بل في الإجابة الجاهزة والقاسية التي جاءت كصاعقة في التعليقات. السواد الأعظم، بلا تردد ولا أدنى تفكير، أشار بإصبعه نحو الصحفي: "ارموا به في البحر، لا نحتاجه!".

هذا المشهد، يا سادة، محبط لدرجة العدم، ومؤلم لدرجة الانكسار النفسي. نحن لا نتحدث هنا عن ترتيب أولويات غريزي في لحظة غرق متخيلة، حيث يبحث العقل عن الطبيب ليداوي الجراح، أو الجندي ليصد الخطر، أو المعلم ليبني العقول، أو الشرطي ليحفظ النظام. نحن نتحدث عن "إعدام معنوي" شامل وجماعي لرسالة كانت تُعد، حتى وقت قريب، الرئة التي يتنفس بها المجتمع، والعين التي يرى بها مكامن الخلل والفساد.

ما يثير الأسى، ويحز في النفس لدرجة النزيف، هو أن يرى الناس في الصحفي عِبئاً زائداً يمكن التخلص منه أولاً أمام مهن ميدانية أخرى. هل أصبحنا في نظر المجتمع ضجيجاً فارغاً لا طائل منه؟ أم أننا، نحن حملة الأقلام، ضللنا الطريق حتى ظن الناس أن غرقنا لن ينقص من وزن العالم شيئاً؟

الحقيقة التي يجب أن نواجهها، نحن كصحفيين قبل غيرنا، هي أن مهنة المتاعب تعيش اليوم أسوأ انكساراتها الوجودية. لقد تاهت هيبة الصحفي المهني الحقيقي وسط صخب "صناع المحتوى" الباحثين عن "البوز" وتفاهة العناوين الصفراء، حتى استقر في وعي المواطن أن الصحافة ثرثرة إلكترونية لا تسمن ولا تغني من جوع في وقت الأزمات.

لقد تناسى هؤلاء الذين قرروا التضحية بالصحفي، أن هذا الشخص الذي ألقوه في البحر، هو الوحيد الذي كان سيخبر العالم عن سهر الطبيب على أرواحهم، وبسالة الجندي في حماية حدودهم، وتضحية المعلم في قراهم المنزوية.

ألم، ما بعده ألم، أن نكتشف أننا صرنا "الحلقة الأضعف" في نظر من نقاتل لأجلهم. لكن الغريب والمفارقة المضحكة المبكية في الأمر، أن هؤلاء الذين قرروا التخلص من الصحفي اليوم، هم أنفسهم من سيبحثون بلهفة عن خبره غداً، ليعرفوا من نجا من القارب، وأين غرق البقية.

إن الصحافة ليست وظيفة روتينية تنتهي بانتهاء الدوام وتُرمى وقت الحاجة؛ إنها "رسالة" وقيمة. وإذا كان الجمهور يرى اليوم أن غرقنا هو الحل، فهذه رسالة قاسية وصادمة لنا لنراجع أوراقنا كصحفيين، ورسالة أخطر وأعمق للمجتمع ذاته. لأن القارب الذي يغرق فيه الصحفي، هو قارب محكوم عليه بالمسير نحو المجهول في ظلام دامس، بلا شاهد يوثق الحقيقة، ولا رقيب يكشف العورات.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات