الحوز: محمد السايح
في زوايا إقليم الحوز، حيث لا تزال جراح الزلزال تحكي قصص الفقد والصمود، بزغت مبادرة فنية فريدة من نوعها، بطلها فنان محلي اسمه مصطفى أخباش من دوار تافزة أوريكة أبى أن يترك تاريخ منطقته يندثر تحت الأنقاض. فبلمسة وفاء نادرة، حوّل هذا المبدع ركام مدرسة تاريخية تعود لخمسينيات القرن الماضي إلى تحف فنية تنطق بذاكرة المكان.
المؤسسة المعنية ليست مجرد جدران وأسقف تداعت بفعل الهزة الأرضية، بل هي "مدرسة للحياة" ضاربة في القدم. فمنذ تشييدها في فجر الاستقلال، كانت هذه الحجارة شاهدة على أحلام أطفال تحولوا لاحقاً إلى أساتذة، وأطر، ورجال دولة خدموا الوطن من أوسع أبوابه. هي الحاضنة الأولى التي تعلم فيها الآباء والأبناء، وشكلت الوعي الجمعي لأبناء المنطقة.
الفنان، وهو أحد خريجي هذه المدرسة العريقة، لم يستسلم لمشهد الركام الموحش. وبدلاً من إفراغ الذاكرة في مكبات الأنقاض، اختار استنطاق الحجر المتبقي. ومن خلال مزج فني رفيع بين الحجر، والحديد، والخشب، خرجت إلى النور منحوتات تجسد مفاهيم الصمود والانتماء.
يقول الفنان عن هذه المبادرة:
"رفضت أن تختفي ذاكرة مدرستي وسط الركام. كل حجر هنا يحمل صوتاً من الماضي، ومن واجبي كفنان أن أجعل هذا الصوت مسموعاً للأجيال القادمة".
وفي خطوة رمزية بليغة، أعلن الفنان عن عزمه إهداء إحدى هذه القطع الفنية للمؤسسة التعليمية في حلتها الجديدة، لتوضع في فضائها كـ "تميمة" تحفظ التاريخ وتذكّر الناشئة بأن الهوية لا تكسرها الزلازل.
تأتي هذه المبادرة لترسل رسالة إنسانية بليغة؛ مفادها أن الفن هو الأداة الأسمى لتحويل الألم إلى ذاكرة خالدة، وأن الركام حين يلمسه الإخلاص، يتحول إلى لغة بصرية تحكي حكاية إنسان وأرض تأبى النسيان.