Preloader Image
news خبر عاجل
clock
مراكز النداء (Centres d’appel) "جنة" للتشغيل ام مقبرة لحاملي الشواهد؟

مراكز النداء (Centres d’appel) "جنة" للتشغيل ام مقبرة لحاملي الشواهد؟

بينما يرى البعض في مراكز النداء (Centres d’appel) "جنة" للتشغيل السريع، يصفها العاملون فيها بـ "السجون المفتوحة" أو "مطاحن البشر". خلف تلك الواجهات الزجاجية والمكاتب الأنيقة في أحياء مثل "كليز" بمراكش أو بالرباط، تدور معارك نفسية وجسدية طاحنة يخوضها شباب في مقتبل العمر، وجدوا أنفسهم مجبرين على بيع "أصواتهم" مقابل أجر يسد الرمق، وتحت ضغط لا يرحم. 


أولى فصول المعاناة تبدأ بفقدان الهوية (انا لست انا). يضطر الشاب المغربي لتقمص شخصية فرنسية، بأسماء مستعارة مثل "جاك" أو "بيير"، وبلغة فرنسية "منقحة" من أي لكنة محلية. هذا الانفصام اليومي يخلق نوعاً من الغربة النفسية؛ حيث يقضي الشاب 8 ساعات في عالم افتراضي بباريس أو ليون، ليعود في المساء إلى واقعه في أحياء مراكش الشعبية، محملاً بتعب "تمثيل" شخصية لا تشبهه.

في "السونطر"، الزمن ليس ملكك. كل شيء محسوب بالثانية، زمن المكالمة (DMT): إذا أطلت الشرح للزبون، فأنت "غير كفء"، زمن الاستراحة: حتى الذهاب للمرحاض يحتاج "إذن" تقني عبر النظام، وقد تتعرض للتوبيخ إذا تأخرت لدقيقتين إضافيتين،  الرقابة اللصيقة: المشرف (Superviseur) يقف فوق رأسك كأنه "شرطي مرور"، يراقب نبرة صوتك، سرعة إجابتك، ومدى التزامك بـ "السيناريو" (Script) الموضوع سلفاً.

تشير الشهادات الميدانية إلى أن "صيدلية" موظف مركز النداء لا تخلو من مسكنات الرأس (Paracétamol) وأدوية المعدة الناتجة عن التوتر.

التهابات الأذن المزمنة بسبب السماعات، وجفاف الحنجرة.

العيش تحت ضغط "الأهداف" (Objectifs) اليومية يجعل الشاب في حالة تأهب عصبي دائمة، مما يؤدي إلى الأرق، القلق، وفي حالات كثيرة، الاكتئاب.

لا يقتصر الضغط على الإدارة فحسب، بل يتعداه إلى "عنف الزبائن". يتعرض الشباب المغربي يومياً لإهانات عنصرية أو صراخ من زبائن غاضبين في أوروبا، وليس أمام "المستشار الهاتفي" إلا ابتلاع الإهانة بابتسامة مصطنعة، لأن "الزبون دائماً على حق". ومع التهديدات الأخيرة بالقوانين الفرنسية الجديدة، زاد "اللاأمان الوظيفي" من حدة هذه المعاناة؛ حيث أصبح الشاب يشعر أنه "قطعة غيار" يمكن استبدالها في أي لحظة.

إن قطاع مراكز النداء، الذي أنقذ آلاف العائلات من الفقر، يقتطع في المقابل ضريبة غالية من الصحة النفسية والجسدية لشبابنا. إنهم "جنود الخفاء" في الاقتصاد الرقمي، لكنهم جنود بلا دروع، يواجهون لوحدهم قسوة النظام الرأسمالي وضجيج المكالمات الذي لا ينتهي.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات