Preloader Image
news خبر عاجل
clock
شموخ "المراكشية" في بورصة الصبر بسوق الغزل

شموخ "المراكشية" في بورصة الصبر بسوق الغزل

"حنّ الله على سوق الغزل حتى ولّى بالدفة والقفل".. هكذا كانت تلهج ألسنة المراكشيين بالدعاء، وهكذا كانت ترسم الجدات حدود البركة في زمنٍ كان فيه "المغزل" هو ميزان القوى الاقتصادي داخل البيوت العتيقة. وما بين زحام الأجساد وهيبة "الجلابة" و"اللثام"، كانت تُكتب فصول ملحمة صامتة، بطلتها المرأة المراكشية المكافحة التي لم تعرف يوماً معنى الانكسار.


في تلك الصور التي توثق لبدايات الثمانينيات، لا نرى بائعات صوف فقط، بل نرى "مؤسسات اقتصادية" قائمة بذاتها. المرأة المراكشية لم تكن تخرج لسوق الغزل لتزجي الوقت، بل كانت تخرج لتخوض معركتها الشريفة من أجل "الستر". تلك السيدة التي ترونها في زوايا السوق، قضت ليلها بين "النفاش" و"المغزل"، تحول الصوف الخام إلى خيوط من ذهب، لتعود في المساء وفي منديلها ثمن الخبز، وكرامة لا تشتريها الأموال.

كان سوق الغزل بمراكش بمثابة "وول ستريت" شعبية، تسودها قوانين صارمة من الفطنة والسرعة. وكما يقول المثل: "ما تجي فين تحتال لعمشة حتى يتفرق سوق الغزل"؛ فالمرأة هنا كانت تاجرة محنكة، تعرف متى تفاوض ومتى تنسحب، تدرك جودة "الطعمة" و"السدا" بمجرد اللمس. خلف ذلك اللثام الأبيض، كانت تكمن عيون ثاقبة تقرأ السوق، وعزيمة حديدية لا تلين أمام حرارة شمس "جامع الفنا" أو صقيع "الحارة".

إن كفاح نساء مراكش في هذا السوق التاريخي هو التجسيد الأسمى لمفهوم "التمغربيت". هي تلك القدرة العجيبة على الجمع بين تدبير شؤون البيت وتربية الأجيال، وبين اقتحام فضاءات العمل والإنتاج. لم تكن تبحث عن الأضواء، بل كان ضوء نجاح أبنائها في المدارس هو المكافأة التي تنتظرها خلف جدران "الدويرية".

اليوم، ونحن نتأمل تلك الوجوه الموشحة بالوقار في صور الأرشيف، ندرك أن مراكش لم تُبنَ فقط بأسوارها العالية، بل بُنيت بصبر هؤلاء النساء اللواتي جعلن من "سوق الغزل" مدرسة في العصامية والاعتماد على الذات.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات