ما إن يهلّ هلال شعبان، حتى تتبدل نبرة الصوت في دروب مراكش العتيقة. هناك، خلف الأبواب الخشبية المزينة بالخماسي النحاسي، تبدأ "النساء" في كتابة أولى سطور ملحمة رمضان. ليست تحضيرات للطعام، بل هي طقوس "شعبانة" التي تمنح للمراكشيات حق إعلان "حالة الطوارئ" في البيوت، ولكنها طوارئ تفوح برائحة الزهر والمسك.
تبدأ الحكاية بـ "شعبانة"، ذلك التقليد الذي تجتمع فيه النساء (الجارات والقريبات) قبل دخول الشهر الفضيل. في "قاع الدار" أو وسط "الدار الكبيرة"، تجلس المراكشيات المكافحات في حلقة دائرية، حيث لا يعلو صوت فوق صوت "المهراز" النحاسي وهو يوقع إيقاعات رتيبة، تعلن للزقاق أن "دار لالة فلانة" تستعد للضيف الكريم.
في هذه الحلقة الأولى، تظهر عبقرية المرأة المراكشية في "التدبير". هي التي تقرر متى يبدأ "الغسيل" ومتى ينطلق "التنشير". تراهنَّ فوق السطوح، يتسابقن مع شمس مراكش لتجفيف الزنجلان والنافع، في لوحة فنية تعكس التفاني. هي لا تحضر الطعام فحسب، بل "تغزل" بهجة الشهر بيديها، مدركةً أن رمضان في مراكش "عبادة وعادة"، وأنها الحارس الأمين على هذه العادات.
بالنسبة للمرأة المراكشية، "شعبانة" هي فرصة لتصفية القلوب قبل تصفية التوابل. هي اللحظة التي تذوب فيها الخلافات بين "لكنة" و"حماتها" أو بين الجارات، تحت شعار "عواشر مبروكة". نون النسوة هنا لا تكتفي بالتحضير المادي، بل تمهد الأرضية الروحية لبيتٍ هادئ يستقبل التراويح والقيام بقلبٍ سليم.