برزت في الآونة الأخيرة فئة تدعي "المثالية الكونية"، تنصب نفسها وصية على الأخلاق، وتجعل من "قدسية روح الكلب" قضية مصيرية تعلو فوق كل اعتبار. هؤلاء الذين يستميتون في الدفاع عن بقاء الكلاب الضالة في الأحياء الآهلة كـ "سيدي عباد"، يضعوننا أمام معضلة أخلاقية غريبة: هل أصبح "حق الكلب" في احتلال الرصيف أقدس من "حق الشيخ" في الوصول إلى المسجد بسلام؟ إن هذا الدفاع المستميت ليس رفقاً بالمعنى الحقيقي؛ بل هو "ترف فكري" يمارسه من لا يضطر لمواجهة قطيع من 17 كلباً في الفجر. إنهم يدافعون عن "حرية الكلب" في أن يظل جائعاً، مشرداً، ومصدراً للرعب، بدل أن يوجهوا ضغطهم نحو المطالبة بملاجئ تصون كرامة هذا الحيوان وتحمي جسد الإنسان.
من السهل جداً أن تمتلك "قلباً رحيماً" وأنت تكتب تدوينة من خلف شاشة هاتف، في غرفة مؤمنة، خلف أبواب مغلقة. لكن "المثالية" التي يتبجح بها البعض في شوارع مراكش اليوم، أصبحت سلاحاً ذا حدين؛ طرفه الأول يدافع عن "حق الكلب"، وطرفه الثاني يغرس أنيابه في أمن المواطن البسيط.
نسأل هؤلاء المدعين للمثالية سؤالاً مباشراً يُحرج منطقهم: أين تذهب شعاراتكم حينما تنهش الأنياب جسد طفل أو تروع شيخاً طاعناً في السن؟ إن "الرحمة" التي لا تجد مكاناً لضحايا الهجمات هي رحمة "انتقائية" ومنقوصة. إن منطقكم الذي يرفض إبعاد الكلاب عن التجمعات السكنية باسم "الرفق"، هو الذي يمنح —للأسف— غطاءً أخلاقياً لـ "تخاذل" بعض الجهات المسؤولية التي وجدت في ضجيجكم مبرراً لعدم التحرك.
نحن لا ندعو للعنف، بل ندعو لإعمال العقل. إن "قدسية الروح" مبدأ لا يتجزأ؛ وروح المواطن المراكشي الذي يؤدي ضرائبه ليمشي آمناً لها قدسية لا تقل عن أي روح أخرى. إن الدفاع عن وجود الكلاب في الشوارع هو دفاع عن "الفوضى" تحت مسمى "الحقوق".
يا هواة المثالية، إن الرفق الحقيقي هو الذي يسحب الحيوان من بيئة "الصراع" مع الإنسان إلى بيئة "الرعاية" في الملاجئ. أما إصراركم على إبقاء الوضع كما هو عليه، فهو ليس دفاعاً عن الحيوان، بل هو "مشاركة مع سبق الإصرار" في كل حادثة رعب تقع فجراً في سيدي عباد.
لقد آن الأوان لكسر أصنام هذه "المثالية الزائفة". فالشارع للمواطن، والملجأ للحيوان، وما بينهما من "دفاع مستميت" ليس إلا محاولة للهروب من واقع مرير يدفع ثمنه الضعفاء من دمائهم وأعصابهم.