في مراكش، لا يُقاس الزمن بالساعات، بل بوقع "المدفع" حيث تنتظر "النسوة" طلقة "الفطور" بلهفة المودع؛ فمع غروب الشمس، يشق صمت المدينة دويّ الانفجار المهيب الذي يهتز له زجاج النوافذ العتيقة، ليتبعه فوراً عواء "الزواكة" المبحوح التي تمتد بآهاتها لتصل إلى أبعد "عرصة" في المدينة. في تلك اللحظة الفاصلة، تضع المرأة المراكشية "مغرفة" الحريرة في الزلافة بيقين تام، وكأن صوت المدفع هو "صك البراءة" من تعب النهار، لتتحول الدويرية من ورشة عمل صامتة إلى خلية نحل تضج بتمتمات "بسم الله" ودعوات البركة التي تفيض من قلوب الراضيات الصابرات.
أما في سكون الليل، حين يلف الرداء الأسود دروب "المواسين" و"باب تاغزوت"، يبرز دور "النقار" (أو النفار كما يلقبه البعض، لكنه بآلته النحاسية الطويلة "النفير" يظل هو النقار في لسان المراكشيين)؛ هذا الحارس الليلي لا يظهر إلا ليوقظ "نون النسوة" لمهمة "السحور" العظيمة. بنفخاته الثلاث المتواترة والموزونة التي تخرج من جوف آلته النحاسية، يطوف الدروب كأنه خيال من زمن السعديين، فلا تُفتح الأعين إلا على وقع نغماته التي تلامس جدران البيوت؛ وهنا تهب "لالة المرأة" من مرقدها بنشاط، لتبدأ في تحضير "المسمن" أو "سيكوك"، مستجيبةً لنداء النقار الذي يربط بروحانيته بين عتمة الليل ونور الفجر المرتقب.
وتكتمل "الثلاثية" عند اقتراب الفجر، حيث تعود "الزواكة" لتطلق صرخة "الإمساك" الطويلة، يتبعها دوي "مدفع" الإمساك الذي يضع حداً فاصلاً بين متعة الأكل وقدسية الصيام؛ في هذه اللحظة، تسرع "نون النسوة" بلمّ المائدة وإغلاق أباريق الشاي، في حركة دقيقة تسبق أذان الفجر. هذا الانضباط المراكشي الصارم خلفه امرأة تتقن قراءة "إشارات المدينة"، وتعرف أن بين طلقة المدفع ونفخة النقار وعواء الزواكة، تكمن بركة الوقت التي تجعل من البيت المراكشي منظومة محكمة لا يغيب عنها وعي، ولا يسبق فيها فعلٌ أوانَه.
إن هؤلاء "الحراس الثلاثة" ليسوا مجرد أدوات، بل هم شركاء السيدة المراكشية في صناعة "بهجة" رمضان؛ فبين دويّ النحاس (النقار) وصوت البارود (المدفع) وهدير الحديد (الزواكة)، تنسج المرأة المراكشية يومها الرمضاني بعناية باحث أثري. هي التي تحفظ لكل صوت هيبته، وتلقن الحفيدات أن رمضان في مراكش هو "نظام وانتظام"، حيث تصبح الاستجابة لهذه الأصوات جزءاً من العقيدة الشعبية التي توحد القلوب خلف أبواب المدينة العتيقة، وتجعل من كل سحور وفطور حكاية صمود وتفانٍ تُروى بلسان نسائي مراكشي خالص.