نادراً ما تحضر قاعة الإيداع ضمن النقاش العمومي المرتبط بالعدالة، رغم أنها تشكّل جزءاً من المسار الإجرائي الذي يمرّ منه عدد من الأشخاص أثناء مثولهم أمام القضاء. هذا الغياب لا يعني بالضرورة عدم الأهمية، بقدر ما يعكس طابع هذا الفضاء المؤقت، الذي غالباً ما يُنظر إليه كمرحلة عابرة لا تستدعي الوقوف عندها. غير أن هذا التصنيف لا يمنع، من زاوية صحفية وقانونية، من طرح تساؤلات عامة حول طبيعة هذه القاعات وحدود تأطيرها، خاصة عندما تُثار بخصوصها ملاحظات متفرقة في الفضاء العام.
في هذا السياق، يبرز سؤال أولي حول الإطار القانوني والتنظيمي الذي يؤطر قاعات الإيداع داخل المحاكم. فهل توجد نصوص دقيقة تحدد شروط إعداد هذه القاعات واستعمالها، أم أن الأمر يظل خاضعًا لممارسات عملية فرضتها الضرورة التنظيمية اليومية؟ وإذا كانت قاعة الإيداع تُعتبر فضاءً إجرائيًا مؤقتًا، فإلى أي حد يعفيها هذا الوصف من الخضوع لمعايير واضحة تتعلق بالسلامة والصحة واحترام الكرامة الإنسانية؟
ويتفرع عن هذا السؤال تساؤل آخر حول الخصائص المادية لهذه القاعات، من حيث المساحة والتهوية والإنارة، فهل تم تحديد طاقة استيعابية واضحة لكل قاعة؟ وهل يُؤخذ بعين الاعتبار احتمال امتداد فترات الانتظار تبعًا لسير الجلسات وتعقيد الملفات؟ أم أن عنصر الزمن يظل متغيرًا لا تحكمه معايير تنظيمية دقيقة، بالنظر إلى خصوصية العمل القضائي؟
كما يُطرح، من زاوية إجرائية بحتة، تساؤل حول مدة الإيداع داخل المحكمة. هل هناك سقف زمني محدد قانونًا للإيداع المؤقت داخل قاعة الإيداع؟ أم أن المدة تظل مرتبطة حصريًا بسير الجلسات، مهما امتدت؟ وكيف يتم، في هذه الحالة، التوفيق بين متطلبات التنظيم القضائي وضرورة معاملة الأشخاص المودعين معاملة تحفظ كرامتهم، دون افتراض وجود تجاوز أو نفيه؟
ولا ينفصل هذا النقاش عن التساؤل حول المرافق الصحية المرتبطة بقاعات الإيداع، ومدى خضوعها لمعايير الصحة والنظافة المعمول بها في المرافق العمومية. فهل توجد معايير مرجعية واضحة في هذا الشأن؟ وهل تخضع هذه المرافق لأي مراقبة أو تقييم دوري؟ أم أن طبيعة قاعة الإيداع كفضاء مؤقت تجعلها خارج آليات التتبع المنتظم؟
ومن الزاوية الدستورية والحقوقية، يظل التساؤل مطروحًا حول مدى انسجام الإطار العام لقاعات الإيداع مع المبادئ التي تنص على صون الكرامة الإنسانية ومنع أي معاملة قد تُفهم على أنها قاسية أو مهينة. ويُطرح هذا التساؤل دون الجزم بوجود خرق أو نفيه، وإنما في إطار البحث عن مدى وضوح القواعد المؤطرة. كما يُطرح سؤال التكييف القانوني لهذه القاعات: هل تُدرج ضمن منظومة أماكن الحرمان من الحرية بالمعنى الواسع، أم تُصنَّف كفضاءات إجرائية خارج هذا الإطار؟ وما الذي يترتب قانونيًا عن كل تكييف محتمل؟
وفي موازاة هذه الأسئلة العامة، توصلت الجريدة، في مناسبات متفرقة، بشهادات من أشخاص صرّحوا بأنهم سبق لهم المرور عبر قاعات الإيداع بالمحكمة الابتدائية بمراكش أو بمحكمة الاستئناف. وهي شهادات تحمل، في مضمونها، أوصافًا ووقائع وُصفت من طرف أصحابها بأنها صادمة. غير أن هذه الشهادات، بحكم طبيعتها وتصريحات أصحابها، لا يمكن التعامل معها إلا في إطارها التصريحي المحض، دون الجزم بصحتها أو نفيها، ودون اعتمادها كوقائع ثابتة، خاصة في غياب معاينة ميدانية مباشرة أو معطيات رسمية مؤكِّدة. ويظل التعامل معها، في هذا الإطار، محكومًا بواجب التحفظ والحياد، وبالتمييز بين ما يُصرَّح به وما يمكن إثباته موضوعيًا.
كما يظل سؤال المسؤولية مطروحًا: من هي الجهة المكلفة قانونًا بتدبير ومراقبة قاعات الإيداع داخل المحاكم؟ وهل المسؤولية محددة بنصوص واضحة أم موزعة بين عدة أطراف؟ وهل توجد آليات مؤسساتية تمكّن من تقييم وضع هذه القاعات أو من معالجة الملاحظات التي قد تُثار بشأنها، في إطار قانوني مؤطر وشفاف؟
إن إثارة هذه الأسئلة لا تهدف إلى توجيه اتهام، ولا إلى تبنّي روايات أو إصدار أحكام، بل تندرج ضمن مقاربة صحفية حذرة تسعى إلى فتح نقاش قانوني عام حول فضاء إجرائي حاضر في الممارسة اليومية، لكنه محدود الحضور في النقاش العمومي. نقاشٌ ينطلق من التساؤل لا من الجزم، ومن التحفظ لا من الإدانة، ويضع مسألة وضوح القواعد والضمانات في صلب الاهتمام، بما ينسجم مع متطلبات دولة القانون وحسن سير العدالة.