من المثير للسخرية السوداء أن تجد أباً وابنه في دار التونسي او بيوت البون "كنون" أو "تلاغت" قد سمعا نفس الوعود بإعادة الهيكلة من رؤساء مختلفين على مدى اكثر من 20 عاماً. المجالس المتعاقبة لم تفشل تقنياً فحسب، بل فشلت أخلاقياً في تقديم حلول واقعية، مكتفية بسياسة "تزفيت الواجهات" وترك العمق غارقاً في العشوائية والحفر المطمورة.
لقد تحولت "مقاطعة النخيل" عبر عقود من الزمن إلى حقل تجارب للشعارات الرنانة، حيث أتقن المنتخبون فن "بيع الوهم" لسكان "الفخارة" و"عين إيطي" و"أولاد بن السبع". هؤلاء السكان الذين وجدوا أنفسهم محاصرين بين مطرقة الحاجة إلى سكن لائق وسندان قوانين تعمير صُممت لخدمة المنتجعات السياحية الكبرى، بينما ظل "المواطن" مجرد رقم في معادلة انتخابية تنتهي صلاحيتها بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع.
2026: الدولة تقلب الطاولة على "تجار الوعود"
ولأن دوام الحال من المحال، فقد جاء عام 2026 ليعلن نهاية حقبة "العبث"؛ فالدولة المغربية، ممثلة في وزارة الداخلية وسلطات ولاية جهة مراكش-آسفي، قررت أخيراً سحب البساط من تحت أقدام المجالس العاجزة. اليوم، لم يعد ملف إعادة الهيكلة رهيناً بمزاجية رئيس أو حسابات حزب، بل أصبح "ورشاً سيادياً" يدار بمبضع الجراح وبحزم لا يعرف التراجع.
التسعينيات، بدأت معالمه تظهر في ظرف أشهر تحت الإشراف المباشر للسلطة الترابية. لقد أدركت الدولة أن استمرار هذه "الجروح العمرانية" في خاصرة مدينة عالمية كمراكش، وهي تستعد لمواعيد دولية كبرى، هو أمر غير مقبول.
التدخل الصارم الذي نشهده اليوم وضع حداً لسياسة "الماكياج العمراني" التي كانت تنهجها المجالس. فالهيكلة الحقيقية التي انطلقت هذا العام لا تستهدف تزيين الشوارع المحاذية للفنادق الفاخرة، بل تتوغل في عمق الدواوير لتفكيك معضلة الصرف الصحي، وتصحيح المسارات الطبوغرافية، وتسوية الوضعيات العقارية المعقدة التي ظلت "فزاعة" يرهب بها المنتخبون الساكنة لسنوات.
لقد سقط القناع عن المجالس التي كانت تتذرع بـ"ضعف الميزانية" أو "تعقيد المساطر"؛ فبمجرد أن توفرت الإرادة السيادية، ذابت كل العقبات. وهو ما يطرح سؤالاً حارقاً على الساكنة: كيف استطاعت "الداخلية" حل ملفات في أشهر، عجز عنها "المنتخبون" لثلاثة عقود؟
إن شمس 2026 التي تشرق اليوم على أزقة النخيل الضيقة، هي في الحقيقة إعلان عن "شهادة وفاة" لنموذج تدبيري محلي آثر المصلحة الضيقة على كرامة المواطن. وبينما تسابق الجرافات والمهندسون الزمن اليوم تحت إشراف الولاية، يبقى للمواطن في "كنون" و"تلاغت" عزاء واحد: أن حقه في الهيكلة لم يعد "صدقة" انتخابية، بل حقاً انتزعته له الدولة بقوة القانون والإرادة.