مراكش ليست مدينة عابرة في خريطة المغرب، ولا اسماً يُستعمل للترويج فقط. إنها مدينة بثقلها التاريخي، ورمزيتها الثقافية، ودورها الاقتصادي وطنياً ودولياً. ومع ذلك، يفرض الواقع الحضري اليوم سؤالاً جوهرياً لا يمكن تجاهله: هل منح المجلس الجماعي لمدينة مراكش لهذه المدينة حقها وقيمتها الحقيقيتين، أم اختزلها في شوارع رئيسية ومناطق سياحية؟
هذا السؤال لا يصدر عن انطباع عابر، بل عن قراءة لمسؤوليات مجلس جماعي يُفترض فيه، قانوناً، أن يدبر مدينة بكامل ترابها وساكنتها، لا مدينة الواجهة فقط. فالقانون التنظيمي للجماعات الترابية لا يتحدث عن “مراكش السياحية” و“مراكش الأخرى”، بل عن جماعة واحدة، تخضع لنفس مبادئ المساواة، العدالة المجالية، وحسن تدبير الشأن المحلي.
حين ننظر إلى طريقة تدبير المجال الحضري، يحق للرأي العام أن يتساءل: ما هي الرؤية الحضرية التي يعتمدها المجلس الجماعي لمراكش؟
وهل تعكس هذه الرؤية فعلاً مكانة المدينة، أم أنها تكتفي بإدارة الصورة والحد الأدنى من التدخلات؟
فمدينة من حجم مراكش لا يمكن تدبيرها بمنطق ردّ الفعل أو الحلول الظرفية، بل برؤية استراتيجية واضحة، قابلة للتتبع والمساءلة.
في هذا السياق، لا يُختزل وضوح التدبير المحلي في الإعلان عن برامج أو إحداث منصات رقمية، بل في مدى ما تتيحه هذه الآليات من فهم حقيقي لمنطق البرمجة وتوزيع الأشغال. فوجود منصة تعرض البرامج يظل خطوة تقنية، لكن السؤال الجوهري يظل قانونياً: هل تُمكّن هذه المنصة المواطن من الاطلاع على الأسس التي بُنيت عليها الأولويات، أم تكتفي بسرد المشاريع دون تعليل مجالي واضح؟
وهل تتضمن المعطيات المنشورة تفاصيل تسمح بتتبع الأشغال من مرحلة البرمجة إلى الإنجاز، مع بيان الكلفة، الآجال، ونسب التقدم؟
وهل تتيح إمكانية المقارنة بين مختلف الأحياء داخل نفس الفترة الزمنية، بما يُظهر فعلياً احترام مبدأ العدالة المجالية؟
ثم الأهم: هل تم اعتماد هذه المنصة كآلية رسمية للإخبار والتتبع خاضعة للتحديث المنتظم والمسؤولية المؤسساتية، أم أنها تظل أداة تواصلية لا ترقى إلى مستوى الالتزام القانوني؟
القيمة الحقيقية لأي مجلس جماعي لا تُقاس بالخطاب، بل بما هو موثق وقابل للتحقق. لذلك، يظل السؤال مشروعاً: هل يتوفر مجلس جماعة مراكش على جرد رسمي، محيَّن، يبيّن تاريخ آخر تدخل حضري بكل حي وشارع؟
وجود مثل هذا الجرد من شأنه أن يُغلق باب التأويل ويُنهي أي جدل، أما غيابه فيجعل التساؤل حول عدالة التخطيط ومنهجيته أمراً قائماً.
أما على مستوى تنظيم الأشغال، فإن الاختصاص القانوني للمجلس يفرض التنسيق، التتبع، واحترام الآجال. ومن هنا يُطرح سؤال لا يمكن اعتباره اتهاماً: هل توجد آليات موثقة تضمن التنسيق بين مختلف المتدخلين في الأوراش داخل المدينة؟
وهل تُحدد المسؤوليات بوضوح عند أي تعثر أو تأخير؟
وأين تُنشر هذه المعطيات حتى لا يبقى المواطن أمام واقع ميداني دون تفسير مؤسساتي؟
المال العام بدوره لا يقبل الغموض. فكل مشروع، وكل ورش، وكل صفقة عمومية، تخضع لمبدأ النجاعة وربط المسؤولية بالمحاسبة. ومن هذا المنطلق، يصبح السؤال مشروعاً: هل ينشر المجلس الجماعي تقارير دورية حول تنفيذ الصفقات، نسب الإنجاز، أوامر التوقف أو التمديد، والغرامات المطبقة عند الإخلال بالالتزامات؟
وإذا لم تُنشر هذه المعطيات، فكيف يمكن للرأي العام التأكد من أن تدبير مراكش يتم بما يليق بقيمتها ومكانتها؟
مراكش ليست فقط طرقاً رئيسية ولا فضاءات سياحية. إنها أحياء، شوارع داخلية، فضاءات عمومية، ومجال حضري متكامل. وأي تدبير لا يعكس هذا التكامل يطرح سؤالاً حقيقياً: هل يُدرك المجلس الجماعي أن قيمة المدينة تُقاس بما يعيشه سكانها يومياً، لا بما يُعرض للزوار؟
إن إثارة هذه الأسئلة لا تُعد تهجماً، بل ممارسة لحق دستوري في المساءلة والمراقبة. فالمجلس الجماعي ليس فوق السؤال، ومراكش أكبر من أي تدبير يُختزل في الواجهة. والمدينة التي لا تُدار برؤية واضحة، ومعايير منشورة، ومعطيات متاحة، ستظل دائماً موضوع تساؤل… مهما كان الخطاب مطمئناً.
هذا المقال لا يصدر حكماً، ولا يوجه اتهاماً، لكنه يضع المجلس الجماعي أمام مسؤوليته التاريخية:
إما تدبير يليق بمدينة اسمها مراكش،
وإما استمرار أسئلة لن يُسكتها أي بلاغ.
لأن مراكش ليست فقط ما نراه في الشوارع الرئيسية،
بل ما يعيشه سكانها في كل حي…
وهنا بالضبط تُقاس قيمة المدينة،
ويُقاس احترام من يدبرها.