Preloader Image
news خبر عاجل
clock
توقيع بوريطة في دافوس: عندما تتكلم الدولة بصوتها الدبلوماسي لا الحكومي

توقيع بوريطة في دافوس: عندما تتكلم الدولة بصوتها الدبلوماسي لا الحكومي

عصام سبادي

أثار ظهور وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، ناصر بوريطة، وهو يوقّع باسم المغرب على وثيقة عضوية “مجلس السلام” إلى جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على هامش منتدى المنتدى الاقتصادي العالمي بمدينة دافوس، نقاشاً سياسياً وإعلامياً واسعاً، خصوصاً في ظل الحضور المتزامن لرئيس الحكومة عزيز أخنوش ضمن الوفد المغربي. سؤال واحد تصدّر المشهد: لماذا تولّى بوريطة التوقيع، وليس أخنوش؟

من زاوية مؤسساتية خالصة، لا يبدو هذا الاختيار استثناءً أو مفاجأة. فالدستور المغربي، كما استقر عليه العمل السياسي، يضع السياسة الخارجية ذات البعد الاستراتيجي والسيادي ضمن المجال الذي يُدار بتفويض أعلى، حيث تضطلع وزارة الخارجية بدور الواجهة التنفيذية لقرارات تُتخذ في مستويات سيادية. وعليه، فإن توقيع وثيقة ذات حمولة سياسية وأمنية مرتبطة بمبادرات السلام الدولي لا يندرج ضمن المهام الاعتيادية لرئيس الحكومة، بقدر ما يندرج ضمن اختصاص الدبلوماسية الرسمية التي يمثلها بوريطة.

في المقابل، فإن حضور رئيس الحكومة في دافوس يحمل دلالة مختلفة. أخنوش كان هناك بصفته رئيساً للسلطة التنفيذية، معنيّاً بملفات الاستثمار، الشراكات الاقتصادية، والرهانات التنموية، وهي طبيعة الحضور التي دأب عليها رؤساء الحكومات في هذا المنتدى العالمي. دافوس، في هذا السياق، ليس فقط فضاءً سياسياً، بل منصة اقتصادية بامتياز، تُدار فيها مفاوضات غير مباشرة حول التمويل، والاستثمار، وصورة الاقتصاد الوطني في الأسواق الدولية.

التوقيع إلى جانب ترامب، من جهة أخرى، لا يمكن فصله عن الرسالة التي أراد المغرب إيصالها دولياً: الانخراط في مبادرات السلام من موقع الفاعل الدبلوماسي، لا من موقع التدبير الحكومي اليومي. اختيار بوريطة هنا يعكس رغبة في تثبيت الطابع المؤسساتي والهادئ للموقف المغربي، بعيداً عن أي تأويل سياسي داخلي أو ربطه بشخص رئيس الحكومة أو بسياق انتخابي محتمل.

وهنا يبرز معطى سياسي داخلي لا يقل أهمية: إعلان عزيز أخنوش، في وقت سابق، عدم الترشح لولاية ثانية على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار. هذا القرار، بغضّ النظر عن خلفياته، يضع الرجل عملياً في مرحلة “تدبير نهاية الولاية” أكثر من مرحلة بناء طموح سياسي جديد. في هذا السياق، يصبح منطقياً أن يتركز حضوره الخارجي على الملفات الاقتصادية والتنفيذية، بينما تُسند اللحظات الرمزية ذات البعد السيادي إلى مؤسسات الدولة المختصة.

القراءة المتأنية للمشهد توضح أن الأمر لا يتعلق بتهميش أو تجاوز لرئيس الحكومة، بل بتكريس لتقسيم أدوار واضح داخل الدولة المغربية. بوريطة لم يوقّع بصفته الشخصية، بل بصفته الممثل الدبلوماسي المخوّل، في لحظة أراد فيها المغرب أن يتحدث بلغة الدولة لا بلغة الحكومة. وأخنوش، في المقابل، كان حاضراً حيث يُنتظر منه أن يكون: في قلب النقاشات الاقتصادية، لا في واجهة الالتزامات السياسية الدولية.

خلاصة القول، إن سؤال “لماذا بوريطة وليس أخنوش؟” يكشف أكثر مما يخفي. إنه يعكس تماسكاً في منطق اشتغال الدولة، حيث تُفصل الوظائف، وتُوزّع الأدوار بدقة، ويُدار الحضور الخارجي وفق طبيعة الرسائل المراد إيصالها. في دافوس، لم يكن الأمر متعلقاً بمن يحمل القلم، بل بمن يحمل التفويض، وفي هذه النقطة بالذات، كان الاختيار منسجماً تماماً مع تقاليد الدولة المغربية.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات