تخليداً لتسعة قرون من العطاء الفكري الذي لم ينضب، تشهد الساحة الثقافية الدولية حالياً تصوير فيلم وثائقي ضخم بعنوان "المعلق"، يسلط الضوء على المسار الإنساني والفلسفي لابن رشد. هذا العمل السينمائي، الذي يحظى بدعم أكاديمي من جامعة قرطبة، يتتبع خطى "شارح أرسطو" عبر محطات حياته الفاصلة، انطلاقاً من مسقط رأسه في الأندلس وصولاً إلى مستقره الأخير في مدينة مراكش؛ المدينة التي احتضنت عبقريته وشهدت وفاته عام 1198، لتمثل بذلك الجسر الجغرافي والروحي الذي ربط بين ضفتي المتوسط.
تنطلق كاميرات الإنتاج من مدينة لوسينا، تلك البقعة التي شهدت أيام محنة المفكر ونفيه، قبل أن تنتقل إلى أزقة قرطبة العتيقة ثم تيمم وجهها شطر "بهجة الجنوب" مراكش. ويهدف القائمون على المشروع من خلال هذه المواقع التاريخية إلى تجسيد العمق التراثي للأماكن التي شكلت وعي ابن رشد، وإعادة إبراز دوره التاريخي كأحد أعظم الوسطاء المعرفيين بين الشرق والغرب، حيث كانت شروحه لأعمال أرسطو حجر الزاوية في النهضة الفلسفية التي عرفتها أوروبا في العصور الوسطى.
ولا يقتصر هذا الاحتفاء على الجانب السمعي البصري فحسب، بل يندرج ضمن أجندة ثقافية حافلة تشرف عليها مؤسسات عمومية وأكاديمية طوال السنة. ومن المقرر أن تتوج هذه الفعاليات بعقد مؤتمر دولي بمدينة قرطبة في الفترة من 27 إلى 29 أبريل، حيث سيجتمع باحثون ومتخصصون من مختلف المشارب لمناقشة الأبعاد القانونية والطبية والفلسفية لأعمال ابن رشد، وقراءتها في سياق الرهانات المعاصرة التي يواجهها الفكر الإنساني اليوم.
هذا المسار الاحتفائي، يطمح فيلم "المعلق" إلى تقديم محتوى يجمع بين البساطة الفنية والعمق الفلسفي، ليكون بمثابة رد اعتبار لشخصية جعلت من العقل ميزاناً ومن الحوار لغة عالمية. إن عودة ابن رشد إلى مراكش عبر شريط وثائقي هي تأكيد على أن فكره ما زال صوتاً حياً يتردد صداه عبر القرون، ليثبت أن "المعلق" لم يكن مجرد شارح للنصوص القديمة، بل كان وما زال صانعاً للحضارة ورمزاً للتقارب الإنساني الذي يتجاوز حدود الزمن والمكان.