الإفطار العلني في رمضان: هل يحمي الفصل 222 قدسية الشعيرة أم سكينة الأرصفة من صدام القناعات؟
يضعنا تدبير الفضاء العام في كل موسم رمضاني أمام مفارقة قانونية تستدعي الكثير من التأمل؛ فبينما يستهلك "المكان" ركناً أساسياً في التكييف الجنائي، تبرز مقتضيات الفصل 222 المتعلق بالإفطار العلني كأداة لضبط "إيقاع الشارع" لا لـ "تفتيش الضمائر". إن القراءة العاقلة لهذا النص، تكشف عن ذكاء تشريعي يسعى لحماية السلم الأهلي عبر التمييز الحاد بين "خطيئة" الفرد في خلوته، و"جريمة" المجاهرة في الفضاء العام.
إن النص الجنائي في الفصل 222 لم يربط التجريم بفعل الإفطار كفعل بيولوجي، بل ربطه بظرف المكان (مكان عمومي) وطريقة الفعل (المجاهرة).
يقر النظام القانوني، ممارسةً وعرفاً، أن البيت فضاء محمي لا تمتد إليه يد الضبط الجنائي لمراقبة عقائد الناس أو صيامهم. هنا، تظل "العقوبة الإلهية" أو الوازع الشخصي شأناً غيبياً لا دخل للمؤسسة القانونية فيه.
يبدأ اختصاص القانون عندما يخرج الفعل إلى الشارع. العلة هنا ليست عقدية صرفة، بل هي "عقلانية ضبطية"؛ فالمجاهرة في مجتمع له خصوصيته قد تتحول إلى فتيل لاصطدام بين الأفراد، وهنا يتدخل القانون ليكون هو "الحكم" الذي يمتص التوتر ويمنع الفوضى.
بشكل قد يبدو مستفزاً، فإن الفصل 222 لا يحمي "مشاعر" الجماعة فحسب، بل يحمي "المخالف" نفسه. ففي ظل غياب نص قانوني ينظم حدود الفضاء العام، قد يجد الشخص نفسه في مواجهة مباشرة مع "العدالة الخاصة" وردود أفعال عفوية من الشارع. إن سيادة القانون تعني وجود مرجع وحيد للزجر، مما يحول دون تحول الشوارع إلى ساحات لتصفيات حسابات قيمية بين المواطنين. إن تمجيد القانون هنا ينبع من كونه "عقلاً جمعياً" يمنع فوضى الاحتكاك المباشر.
تكمن قوة التشريع في قدرته على الفصل بين مسارين:
الخطيئة: وهي شأن مرتبط بالضمير، تظل محصورة داخل البيوت بعيداً عن الرقابة القانونية.
الجريمة: وهي فعل مادي يمس بالنظام العام، يتدخل القانون لزجره في الشوارع.
هذا التمييز هو ما يجعل من "المجاهرة" جريمة تستوجب المتابعة، بينما يظل الإفطار في فضاء خاص فعلاً شخصياً مصاناً بحرمة السكن. إنه ذكاء "الستر" مقابل صرامة "المجاهرة".
إن الفصل 222 ليس سيفاً مسلطاً على الرقاب، بل هو حدود مرسومة لضمان ألا يصطدم الناس ببعضهم البعض في الفضاء المشترك. إن نضج المجتمع يكمن في فهم أن احترام القانون في الشارع هو "ضريبة" نؤديها لضمان حريتنا وحرمة بيوتنا.
إن "تمجيد" القانون في هذا السياق هو تمجيد للاستقرار؛ فالقانون لا يريد أن يكون رقيباً على القلوب، بل يريد أن يكون حارساً للأرصفة. وبهذا المعنى، يظل التشريع محاولة مستمرة للتوفيق بين هوية جماعية عريقة وبين ضرورة مدنية تفرض سيادة النظام العام فوق كل إرادة فردية أو جماعية مندكّة.