لا يختلف اثنان على أن خطوة المجلس الجماعي لمراكش برصد 3 مليارات سنتيم (30 مليون درهم) لتحديث مآوي الحافلات هي خطوة طموحة تهدف لرد الاعتبار للمشهد الحضري للمدينة؛ لكن القراءة العقلانية لمطالب المراكشيين تضع "تجويد الخدمة" قبل "تزيين المأوى". فالمواطن الذي سيجلس في مأوى أنيق يحتاج قبل كل شيء إلى "الدقة والانتظام"، لكي لا يتحول هذا الفضاء المريح إلى مكان لإهدار الوقت في انتظار رحلات يرهقها التأخر أو الاكتظاظ في أوقات الذروة. إن قيمة أي استثمار عمومي في قطاع النقل تُقاس بمدى قدرته على توفير "الوقت" للمرتفق، قبل توفير "الرفاهية" على الرصيف.
ويأتي هذا الاستثمار في وقت تتعالى فيه صرخات المراكشيين الذين أرهقهم الانتظار الطويل، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة كـ "أبواب جليز" و**"حي مبروكة"**. فبشهادة المواطنين هناك، لم تعد المشكلة في جودة الأسطول بقدر ما هي في "صعوبة الوصول" إليه أو طول فترات انتظار الحافلة؛ حيث يضطر القاطنون في أعماق هذه المجمعات السكنية الجديدة إلى قطع مسافات طويلة مشياً على الأقدام للوصول إلى المحطات الرئيسية، بسبب عدم توغل مسارات النقل في كافة الأزقة والأشطر السكنية. بالنسبة لهؤلاء، فإن إنفاق 3 مليارات سنتيم على "جمالية المحطة" يظل ناقص الجدوى ما لم يرافقه "تقريب الخدمة" ورفع عدد الرحلات لتلبية الطلب المتزايد الذي يفرضه التوسع العمراني السريع للمدينة.
من هنا، يبرز التحدي الحقيقي أمام مدبري الشأن المحلي في كيفية الموازنة بين "جمالية المرفق" و"فعالية الخدمة الميدانية". فالـ3 مليارات سنتيم هي "رأس مال" ثقة جديد؛ فإذا استمر المواطن في قطع المسافات سيراً أو الانتظار طويلاً أمام هذه المآوي الحديثة، فإن الفجوة بين طموح التدبير وواقع المرتفق ستظل قائمة. التحليل الموضوعي يقتضي القول إن تحديث المآوي يجب أن يكون جزءاً من إستراتيجية شاملة تضمن "سلاسة التنقل" وتغطية كل النقاط التي تعاني ضعف الربط في خريطة المدينة.
إن الرهان الحقيقي اليوم يتجاوز مجرد صرف اعتمادات مالية لتأثيث الشوارع، بل يكمن في مدى قدرة هذه المشاريع على تغيير "الواقع المعاش" للموظف والطالب ورب الأسرة. فنجاح هذا الملف لن يقاس بعدد المآوي التي سيتم تثبيتها، بل بمدى الرضا الذي سيعبر عنه المواطن حين يجد منظومة نقل تحترم وقته وتصل إلى أقرب نقطة من سكنه. مراكش لا تحتاج فقط إلى "واجهات ذكية"، بل إلى "حلول تنقل ذكية" تستوعب الطفرة العمرانية الكبيرة التي تشهدها "بهجة الجنوب".
،يظل هذا الطموح المحلي لتحديث البنية التحتية خطوة محمودة تعكس الرغبة في الرقي بوجه المدينة، آملين أن تكتمل هذه الجهود بحلول ميدانية تنهي معاناة الانتظار وتُقرب الخدمة من عمق الأحياء التي تنتظر نصيبها من التغطية الشاملة.