في مدينةٍ اعتادت أن تُقاس جاهزيتها بحجم ما تستضيفه من تظاهرات، وتُختبر صورتها الدولية في كل موسم سياحي وكل حدث جماهيري، يظل جهاز القوات المساعدة واحدًا من أكثر الأجهزة اشتغالًا، وأقلها حضورًا في عناوين الثناء. جهاز يؤدي أدوارًا محورية، لكنه نادرًا ما يُنصف إعلاميًا أو يُوفّى حقه من الإشادة، رغم أنه يشكل، في الواقع، العمود الفقري للتنظيم الميداني وجنود الخفاء في تأمين كبرى التظاهرات بمدينة مراكش.
القوات المساعدة لا تبحث عن الأضواء، ولا تصنع الحدث لتتحدث عنه، بل تحرص على أن يمر الحدث بسلام. هذا هو جوهر عملها. في كل مهرجان دولي، وكل تظاهرة رياضية، وكل تجمع جماهيري بساحة أو شارع، هناك عناصر منتشرة بصمت، تراقب، تنظّم، تتدخل عند الضرورة، وتنسحب دون ضجيج. نجاح التظاهرة غالبًا ما يُنسب إلى التنظيم العام، بينما يبقى من صنعوا هذا التنظيم في الخلفية، بعيدًا عن واجهة الشكر والتقدير.
في مراكش، حيث تتقاطع السياحة بالسياسة، والثقافة بالاقتصاد، والاحتفالات بالحشود البشرية الكبيرة، يبرز دور القوات المساعدة كجهاز لا غنى عنه. فهي من تتحمل العبء الأكبر في ضبط الفضاءات، تأمين المداخل والمخارج، توجيه الجماهير، ومنع الفوضى قبل أن تولد. هذا العمل الاستباقي، الذي لا يُرى غالبًا، هو ما يجعل المدينة تبدو “هادئة” حتى في أكثر اللحظات ازدحامًا.
جنود الخفاء هؤلاء يشتغلون وفق تقسيمات دقيقة، لكل منها دور محدد لا يقل أهمية عن الآخر. فرق الخيالة تؤمّن الفضاءات المفتوحة والتجمعات الكبرى، وتوفر رؤية ميدانية واسعة وقدرة تدخل سريعة في محيطات يصعب ضبطها بوسائل تقليدية. فرق الدراجين تتحرك بمرونة داخل الشوارع المزدحمة والمسالك الضيقة، خاصة في محيط المدينة العتيقة والأسواق. عناصر الحراسة تؤمن النقط الحساسة، المنصات، المداخل الرسمية، ومحيط الشخصيات والتظاهرات.
إلى جانب ذلك، هناك عناصر تشتغل في الملحقات الإدارية ونقط القرب، في احتكاك مباشر مع المواطن والزائر. هؤلاء يؤدون أدوارًا تنظيمية وتنسيقية دقيقة، غالبًا دون ذكر أسمائهم أو الإشارة إلى مجهوداتهم، رغم أنهم يشكلون خط التماس الأول مع الواقع اليومي للمدينة. عملهم يتطلب انضباطًا عاليًا، وحكمة في التعامل، وقدرة على امتصاص التوتر في لحظات حساسة.
ما يزيد من قيمة هذا الجهاز هو اشتغاله المستمر في ظروف صعبة، لساعات طويلة، وتحت ضغط المناسبات الكبرى، دون أن يقابَل ذلك دائمًا بما يستحق من اعتراف أو تثمين. في كثير من الأحيان، لا يُذكر اسم القوات المساعدة إلا عرضًا، رغم أن غيابها عن المشهد كفيل بكشف حجم الفراغ الذي تملؤه.
إن الحديث عن أمن وتنظيم مراكش لا يكتمل دون الوقوف عند هذا الجهاز، لا من باب المجاملة، بل من باب الإنصاف. فالقوات المساعدة ليست فقط قوة مساندة، بل شريك أساسي في الحفاظ على صورة المدينة الحمراء كفضاء آمن، منظم، وقادر على احتضان العالم. جنود يشتغلون في الظل، لكن أثرهم حاضر في كل تفصيل، ويستحقون، اليوم أكثر من أي وقت مضى، أن يُوفّى لهم حقهم من الثناء، لا لأنهم يطلبونه، بل لأن الميدان يشهد لهم به.