كيف يمكن تفسير وجود بئرٍ خطير وسط مساحة خضراء تعجّ بالأطفال في مدينة بحجم مراكش؟ وكيف يعقل أن يبقى هذا الخطر قائمًا في فضاء عمومي يُفترض أن يكون متنفسًا للعائلات ومكانًا آمنًا للعب الصغار؟ أسئلة تفرض نفسها اليوم بقوة، خصوصًا بعد الفاجعة التي شهدتها المدينة أمس، حين فقد طفل حياته داخل هذا البئر، في حادثٍ صادم أعاد إلى الواجهة معنى المسؤولية الغائبة.
ليس الحديث هنا عن أمرٍ ثانوي أو تفصيل بسيط يمكن تجاوزه، بل عن خطرٍ واضح كان قائمًا أمام الجميع. فحين يكون بئرٌ في قلب حديقة يرتادها الأطفال يوميًا، يصبح من المشروع أن نتساءل: أين كانت الجهات المسؤولة قبل وقوع الكارثة؟ وأين كانت الجماعة أو المجلس الجماعي من واجب المراقبة والتأمين والوقاية؟
الأكثر إثارة للدهشة في هذه الواقعة أن مشهد “الإنقاذ” لم يكن كما يفترض أن يكون في مدينة تتوفر على مؤسسات وأجهزة مختصة. فالمنقذ لم يكن الوقاية المدنية، ولا جهة رسمية حضرت بسرعة لتحمي الأرواح، بل كان مواطنًا بسيطًا، عرض نفسه للخطر ودخل في سباق مع الموت من أجل إنقاذ طفل. أيُّ مفارقة هذه؟ وأيُّ واقع هذا الذي يجعل المواطن يتحمل ما يفترض أن تقوم به الجهات المعنية؟
ثم تأتي الصدمة الأكبر في طريقة التعامل مع الخطر بعد وقوع الفاجعة. فبدل تدخل عاجل لتسييج محيط البئر بشكل واضح وصارم، وبدل اتخاذ إجراءات تمنع اقتراب الأطفال وتعيد الاعتبار لمعنى السلامة في الفضاءات العمومية، اكتفت الجهات المسؤولة فقط، حسب ما تم تداوله، بإرسال حدّاد قام بتلحيم باب البئر. مجرد تلحيم… وكأن الأمر يتعلق بإصلاح بابٍ عادي، لا بنقطة موت محتملة في قلب مدينة سياحية كبرى.
لكن هل التلحيم وحده يكفي؟ وهل يمكن لبابٍ ملحوم أن يكون ضمانة أمام حركة الأطفال وفضولهم؟ ثم كيف يُترك محيط البئر دون سياج أو علامات تحذير أو مراقبة، بينما اللعب ما زال مستمرًا بمحاذاته، وكأن موت طفل بالأمس لم يكن إنذارًا كافيًا؟
هنا يخرج السؤال المؤلم الذي يتردد على ألسنة سكان مراكش: كم من “ريان” يجب أن نفقده حتى تتحرك السلطات بالشكل الحازم؟ هل أصبح قدر هذه البلاد أن لا تستفيق إلا بعد الفواجع؟ وهل أصبحت أرواح الأطفال هي الثمن الذي يدفعه المجتمع كي تتحرك الجهات الوصية من هذا التراخي؟
لا أحد يرغب في توجيه اتهامات مباشرة، لكن من حق المواطنين أن يتساءلوا عن المسؤولية القانونية والأخلاقية في حماية الفضاءات العمومية. من المسؤول عن مراقبة هذه الحدائق؟ ومن المسؤول عن إزالة مصادر الخطر منها؟ ومن سيجيب أسر الضحايا إن تكررت المأساة مرة أخرى؟
ما وقع أمس في مراكش ليس مجرد حادث عابر، بل نتيجة إهمالٍ وتأخرٍ في اتخاذ إجراءات الوقاية. واليوم، لم يعد المطلوب حلولًا ترقيعية أو تدخلات شكلية، بل قرارات واضحة وعاجلة: تسييج كامل، تأمين صارم، وتحمل الجهات المسؤولة لمسؤوليتها قبل أن يتحول هذا البئر إلى عنوان مأساة جديدة.
رحم الله الطفل… لكن السؤال سيبقى قائمًا: هل ننتظر الضحية القادمة حتى نتحرك؟