"العالم بغا يسيق ليكوم لخبار .. الشواه واه": هكذا وثق نائب رئيس مقاطعة المدينة "معاناة" نساء الملاح!
بينما كنت أتصفح "فيسبوك" اليوم، صادفت فيديو استفز فيّ كل معاني النخوة المراكشية. المشهد لم يكن لمؤثر رقمي يبحث عن الشهرة، بل لشخص يحمل صفة مسؤول في مقاطعة المدينة، وهو يوثق توصل نساء في حومة الملاح العريقة بمساعدة رمضان. لم يكفِ هذا المسؤول تعريض وجوههن لعدسة هاتفه في صور "سيلفي" وهن في تلك الحالة من الحاجة، بل ختم الفضيحة بعبارة "مسمومة" وجهها لهن بتباهٍ: "العالم بغا يسيق ليكوم لخبار.. الشواه واه"؛ وكأن كرامة تلك النسوة أصبحت "فرجة" يعرضها بكل فخر أمام العالم.
أن يخرج البعض ليتحجج بأن التصوير تم "بإذن" هؤلاء النساء، فهو عذر أقبح من ذنب. أي إذن هذا الذي يُؤخذ من امرأة مكسورة الجناح، جاءت لتتسلم قفة تسد بها رمق أطفالهن في شهر فضيل؟ في الملاح، وفي كل ركن هش بمراكش، كرامة المرأة المراكشية ليست بضاعة للمقايضة. الابتسامة التي تظهر في تلك الصور ليست علامة رضا، بل هي "ابتسامة الحياء" ومرارة الاضطرار، ومن المخزي استغلال هذا الانكسار النفسي.
بعيداً عن لغة السياسة، ودعونا نترفع عن حسابات الانتخابات والمجالس والبرلمان؛ هنا نتحدث عن "الإنسان" وعن شرف الانتماء لهذه المدينة. إذا كان هذا العمل "إحساناً" كما يُدّعى، فالأصل في شيمنا كمغاربة هو الستر. تربينا على أن "اليد التي تعطي لا يجب أن تظهر في الكاميرا". لكن ما رأيته اليوم في قلب المدينة العتيقة هو تحويل لحظة "تسلّم" المساعدة إلى "عرض بصري"، وتشييء لهؤلاء النساء ليصبحن مجرد "محتوى" يُعرض أمام العالم بلا أدنى مراعاة لمشاعرهن أو لمكانتهن وسط أسرهم وجيرانهم.
حومة الملاح التي تعاني من وطأة الظروف الاجتماعية الصعبة، تحتاج إلى من يصون كرامة أمهاتنا ونسائنا، لا إلى من يتسابق لالتقاط الصور معهن بأسلوب "العالم غايشوفكم". إن المسؤولية الحقيقية تفرض الوقار والترفع، لا النزول إلى مستوى المتاجرة بآلام الناس. الكرامة الإنسانية فوق كل اعتبار، وفوق كل منصب، وفوق كل "قفة" مهما بلغت قيمتها.
كفوا عن إهانة مراكش وأهلها. العمل الاجتماعي الحقيقي يُقاس بالأثر الذي يتركه في القلوب بصمت، لا بالتباهي بتصوير المحتاجين. كرامة نساء الملاح أغلى بكثير من قفتكم ومن استعراضاتكم الفارغة.