Preloader Image
news خبر عاجل
clock
ساحة جامع الفنا بين الصورة العالمية والواقع الميداني… هل تُحترم المساطر في كل التحولات؟

ساحة جامع الفنا بين الصورة العالمية والواقع الميداني… هل تُحترم المساطر في كل التحولات؟

ليست ساحة جامع الفنا مجرد فضاء مفتوح في قلب مراكش، بل هي نبض مدينة بكاملها، ومرآة لذاكرة جماعية صُنّفت ضمن التراث اللامادي الإنساني. غير أن هذه الأيقونة، التي طالما شكّلت مسرحاً للفن الشعبي والحلقة الأصيلة، تجد نفسها اليوم أمام واقع ميداني متحول، يفرض قراءة هادئة، لكن لا تخلو من الصرامة، لما يعتري محيطها من اختلالات متراكمة.


على امتداد محيط الساحة، لم يعد المشهد كما كان. احتلال الملك العمومي بات معطى يومياً يفرض حضوره بقوة، حيث تتسع المساحات المستغلة بشكل لافت من طرف بعض الأنشطة، في تمدد يتجاوز أحياناً حدود المعقول، ويطرح إشكالاً حقيقياً حول التوازن بين دينامية الاستثمار وضرورة احترام الفضاء المشترك. هذا التمدد لا ينعكس فقط على حركة الزوار، بل يمسّ بشكل مباشر جمالية المكان وانسيابية الفضاء، الذي يفترض أن يظل مفتوحاً ومتوازناً.


وفي قلب الساحة نفسها، حيث ارتبط اسمها تاريخياً بالحَلْقة كفن فرجوي قائم على الفكاهة والسرد والموسيقى، برزت في الفترة الأخيرة أشكال جديدة من “الحلاقي” خارج الإطار القانوني المنظم، تقدم أنشطة تقوم على المقامرة بأساليب لا تنسجم مع روح هذا الموروث الثقافي. هذه الممارسات، التي يصفها عدد من المتتبعين بالدخيلة، تسيء إلى صورة الحلقة كما ترسخت في الذاكرة الجماعية، وتخلق أحياناً احتكاكات غير مرغوب فيها مع الزوار، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول سبل التنظيم والحفاظ على هوية الفضاء.


أما على مستوى البنية العمرانية، فالمحيط القريب من الساحة يشهد تحولات متسارعة تستحق الوقوف عندها. بشارع الأمير مولاي رشيد، المعروف بـ“البرانس”، تظهر بوضوح زيادات في عدد الطوابق ببعض البنايات، بعلوّات لافتة تغيّر تدريجياً خط الأفق المعماري للمنطقة. وبين من يعتبرها تجديداً عمرانياً ومن يرى فيها اختلالاً بصرياً، يبقى السؤال مطروحاً حول مدى احترام هذه التحولات للمعايير المرتبطة بطابع المجال التاريخي.


وفي هذا السياق، يبرز دور السلطات المحلية كعنصر أساسي في ضبط هذا التوازن الدقيق. فكيف تتم مراقبة التراخيص المرتبطة بالبناء واستغلال الملك العمومي؟ وهل تُخضع هذه الرخص لتقييم يأخذ بعين الاعتبار ليس فقط الشق القانوني، بل أيضاً الأثر الجمالي والثقافي على واحدة من أهم الساحات المصنفة عالمياً؟ ثم إلى أي حد يتم تفعيل آليات الزجر في حال تسجيل تجاوزات، لضمان عدم تحول الاستثناء إلى قاعدة؟


أسئلة تفرض نفسها بقوة، في ظل ورشات إعادة التأهيل التي تعرفها الساحة، والتي يُفترض أن تعيد لها بريقها، لا أن تضيف إلى تحدياتها أعباء جديدة. فالمعادلة هنا دقيقة: كيف يمكن تطوير المجال دون المساس بروحه؟ وكيف يمكن تشجيع الاستثمار دون الإخلال بهوية المكان؟

في انتظار أجوبة واضحة، تبقى ساحة جامع الفنا أمام امتحان حقيقي، عنوانه الأساسي هو الحفاظ على التوازن بين الأصالة والتحول، وبين الجاذبية العالمية ومتطلبات التدبير اليومي، في فضاء لا يحتمل أن يفقد هويته التي جعلته أحد أبرز معالم مراكش والعالم.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات