ليس من السهل تمرير رقم “49 يوماً” باعتباره مجرد معطى تقني محايد. فحين يُقدَّم هذا الرقم اليوم كعنصر طمأنة، يصبح من المشروع طرح السؤال الذي يتجنبه الخطاب الرسمي: لماذا الآن تحديداً؟ ولماذا لم يظهر هذا “المخزون المريح” حين كانت الأسعار ترتفع بشكل متسارع، دون أي حديث عن هوامش زمنية أو قدرة على امتصاص الصدمات؟ هل كان المخزون غائباً حينها، أم أن الحديث عنه لم يكن يخدم نفس الغاية؟
المشهد الذي يتكرر لم يعد يحتاج إلى تحليل معقد. ارتفاع في الأسواق الدولية، فتتحرك الأسعار محلياً بسرعة لافتة، أحياناً في ظرف أسابيع قليلة، وكأن السوق الداخلية مرتبطة مباشرة وفورياً بكل تغير خارجي. لكن حين تنخفض الأسعار عالمياً، يدخل هذا الارتباط نفسه في حالة “تباطؤ غامض”، حيث يصبح الانتظار قاعدة، والتبرير جاهزاً: تصريف المخزون، توازن الكلفة، تعقيد المساطر.
فهل السوق سريعة فقط عندما يتعلق الأمر برفع الأسعار، وبطيئة حد الجمود عندما يتعلق الأمر بتخفيضها؟
الأكثر إثارة أن مفهوم “المخزون” نفسه يبدو وكأنه يخضع لقاعدة مرنة بشكل مريب. عند الارتفاع، يُفهم ضمنياً أن الكميات محدودة وأن الكلفة الجديدة يجب أن تُطبق فوراً، دون انتظار استهلاك المخزون السابق. لكن عند الانخفاض، يتحول هذا المخزون إلى ذريعة ثقيلة، تُستدعى لتأجيل أي تراجع في الأسعار.
فهل نحن أمام مخزون يتبخر حين ترتفع الأسعار، ثم يعود فجأة ليصبح وفيراً حين تنخفض؟ أم أن طريقة توظيف هذا المعطى هي التي تتغير حسب الاتجاه؟
ثم ماذا عن ضمان الإمدادات لثلاثة أشهر؟ إذا كان هذا المعطى دقيقاً، فأين أثره على استقرار السوق؟ أليس من المفترض أن يشكل هذا الهامش نوعاً من الحماية ضد التقلبات السريعة، صعوداً ونزولاً؟ أم أنه يُستعمل فقط في اتجاه واحد، كوسيلة لامتصاص الضغط عند الانخفاض، دون أن يكون له أي حضور فعلي عند الارتفاع؟
وفي ما يتعلق بالمنافسة، فإن الصورة تبدو أكثر التباساً. سوق يُفترض أنها مفتوحة، لكن الأسعار تتحرك داخلها بإيقاع شبه موحد، دون فروقات تُذكر، ودون مبادرات واضحة لكسر هذا النمط. هل نحن أمام انسجام تفرضه كلفة الاستيراد فعلاً، أم أمام واقع يجعل من “حرية السوق” مفهوماً نظرياً أكثر منه ممارسة ملموسة؟ سؤال مشروع، خاصة عندما تتكرر نفس السيناريوهات بنفس التفاصيل تقريباً.
في النهاية، لم يعد النقاش حول بضعة سنتيمات زيادة أو نقصان، بل حول منطق كامل يُدار به هذا القطاع. المواطن لم يعد متلقياً سلبياً، بل أصبح يقارن ويربط ويستنتج. وكلما تكررت نفس المفارقات—سرعة في الارتفاع، بطء في الانخفاض، وأرقام تُستدعى في توقيت معين وتغيب في توقيت آخر—كلما تعزز الانطباع بأن هناك معادلة غير متوازنة. و49 يوماً من المخزون، بدل أن تكون جواباً، تبدو أقرب إلى عنوان لسؤال أكبر: هل ما يُقدم للرأي العام تفسيرٌ حقيقي لما يحدث، أم مجرد صياغة ذكية لواقع لا يُقال بالكامل؟