تعيش مدينة مراكش منذ سنوات على وقع دينامية عقارية غير مسبوقة، جعلتها قبلة للمستثمرين المغاربة والأجانب على حد سواء. فبين المشاريع السكنية الفاخرة، والإقامات السياحية، والأراضي التي تسجل ارتفاعات متواصلة في الأسعار، تبدو المدينة الحمراء وكأنها تعيش عصراً ذهبياً جديداً في قطاع العقار. غير أن هذا البريق الاستثماري يخفي وراءه تساؤلات متزايدة حول مدى استدامة هذا النمو، وحول قدرة السوق على الحفاظ على توازنها في مواجهة موجة المضاربات وارتفاع الأسعار.
لقد ساهمت عدة عوامل في تعزيز جاذبية الاستثمار العقاري بمراكش، من بينها الانتعاش السياحي، وتحسن البنية التحتية، والمشاريع الكبرى المرتبطة بالاستحقاقات الرياضية الدولية التي سيحتضنها المغرب خلال السنوات المقبلة. كما أن الطلب المتزايد من المستثمرين الأجانب والمغاربة المقيمين بالخارج ساهم في رفع وتيرة المعاملات العقارية بشكل ملحوظ.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل الارتفاع الكبير الذي شهدته أسعار الشقق والفيلات والأراضي في عدد من الأحياء والمناطق المحيطة بالمدينة. فأسعار بعض العقارات أصبحت بعيدة عن متناول فئات واسعة من المواطنين، بل إن الكثير من الشباب باتوا عاجزين عن اقتناء سكن رئيسي داخل المدينة التي ولدوا وترعرعوا فيها.
إن استمرار ارتفاع الأسعار بوتيرة أسرع من نمو الدخل والقدرة الشرائية يثير مخاوف مشروعة بشأن مستقبل السوق. فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن أي سوق يعتمد بشكل كبير على المضاربة والتوقعات المستقبلية دون وجود طلب حقيقي ومستدام قد يكون عرضة لتصحيحات مفاجئة.
ومع ذلك، فإن الحديث عن فقاعة عقارية شاملة في مراكش قد يكون سابقاً لأوانه. فالمدينة ما تزال تستقطب ملايين السياح سنوياً، وتستفيد من مشاريع تنموية ضخمة، كما أن الطلب على العقار لا يزال قائماً سواء للسكن أو للاستثمار أو للاستغلال السياحي.
المشكلة الحقيقية ليست في ارتفاع الأسعار بحد ذاته، بل في غياب التوازن بين منطق الاستثمار وحق المواطنين في الولوج إلى السكن. فنجاح أي سوق عقارية لا يقاس فقط بحجم الأرباح التي تحققها، وإنما أيضاً بقدرتها على توفير فرص السكن اللائق لمختلف شرائح المجتمع.
اليوم، تبدو مراكش أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن تواصل نموها العقاري بشكل متوازن ومستدام يستفيد منه المستثمر والمواطن معاً، وإما أن تتحول تدريجياً إلى سوق موجهة أساساً للمضاربة ورؤوس الأموال الباحثة عن الربح السريع، وهو ما قد يفرز اختلالات اجتماعية واقتصادية يصعب معالجتها مستقبلاً.
وفي ظل الاستعدادات الوطنية لاحتضان تظاهرات دولية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، يبقى الرهان الأكبر هو بناء نموذج عقاري متوازن يضمن جاذبية الاستثمار دون المساس بحق الأسر في السكن الكريم. فمراكش لا تحتاج فقط إلى المزيد من المشاريع العقارية، بل تحتاج أيضاً إلى رؤية تضع الإنسان في صلب التنمية، حتى تظل المدينة الحمراء فضاءً للعيش والاستثمار معاً، لا مجرد سوق ترتفع فيها الأسعار دون سقف أو ضوابط.