تعد حادثة "مول الحانوت" التي تطرقنا لها في مقالنا السابق، والتي شهدها حي سيدي يوب العتيق بمراكش، مجرد غيض من فيض لظاهرة تضرب بجذورها في أعماق المتخيل الشعبي المغربي. فتوقيف بقال "درب الحدادة" وهو يحفر نفقاً بعمق مترين داخل محله التجاري، لا يختزل فقط واقعة معزولة، بل يعيد فتح ملف "حمّى الكنوز" التي لا تزال تسكن عقول البعض، محولةً جدران المدينة القديمة إلى مسرح لعمليات تنقيب سرية تطارد "الوهم" خلف قضبان السجن، وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الرسمية لكشف الخلفيات الحقيقية والدوافع الكامنة وراء هذه الأشغال الليلية المشبوهة.
إن مثل هذه الحفر التي تشهدها أزقة مراكش ونواحيها بين الفينة والأخرى، تفتح النقاش حول تلك الممارسات المرتبطة في الوعي الجمعي بفك "الرصد" أو الجن الحارس للكنوز. وفي هذا السياق المظلم، يبرز لغز الطفل "الزوهري"؛ ذلك الصغير الذي يولد بعلامات جسدية نادرة كـ "الخط المتصل" في كف اليد، ليجد نفسه في قصص المشعوذين بمثابة "مفتاح بشري" لاستخراج الدفائن.
وتشير الدراسات السوسيولوجية والتقارير الميدانية في المغرب إلى أن "هوس الكنوز" غالباً ما يقترن في بعض الحالات بطقوس شعوذة تستهدف هؤلاء الأطفال، حيث يتم استغلال براءتهم تحت ذريعة أن دماءهم هي الشرط لظهور الذهب المكنوز. هذه الخرافة التي ذهب ضحيتها أطفال في مناطق مختلفة، تحول عملية التنقيب من مجرد مخالفة قانونية إلى مأساة إنسانية تنهل من الجهل والاعتقادات البائدة.
إن اختيار المواقع التاريخية في قلب المدينة العتيقة، كما حدث في واقعة سيدي يوب، ينبع من اعتقاد بأن المدن الضاربة في القدم تخبئ في جوفها مدخرات ذهبية منسية. غير أن الواقع الميداني يؤكد أن أغلب هذه المغامرات تنتهي بفواجع؛ حيث تنهار البنايات المتهالكة فوق رؤوس أصحابها، أو تتحول تلك الأنفاق إلى قبور للمنقبين بفعل الاختناق، ليتبخر حلم الذهب تحت ركام التراب ووسط ملاحقات أمنية صارمة.
بعيداً عن الأساطير، يظل القانون المغربي حازماً في حماية باطن الأرض والتراث الوطني. فعمليات الحفر دون ترخيص، خاصة في المواقع المصنفة تاريخياً، تُعد جنايات يعاقب عليها القانون بعقوبات حبسية ثقيلة بتهمة "التنقيب غير المشروع وتخريب المعالم التاريخية". كما أن القضاء المغربي يتعامل بحزم مضاعف في حالة ثبت ارتباط هذه العمليات بأي مساس بسلامة الأطفال أو ممارسات تمس بالأمن الروحي والجسدي للمواطنين.