Preloader Image
news خبر عاجل
clock
باب الدباغ بمراكش.. بوابة المرابطين تنتظر الإنصاف

باب الدباغ بمراكش.. بوابة المرابطين تنتظر الإنصاف

يقف باب الدباغ شامخاً عند المدخل الشرقي للمدينة العتيقة، شاهداً صامتاً على تسعة قرون من التاريخ. شيّده الأمير علي بن يوسف سنة 1126م ضمن تحصينات مراكش الدفاعية، فكان درعها الأول. اكتسب الباب اسمه من حرفة الدباغة العريقة التي احتضنها الحي المجاور لقرون، حيث كانت ورشات الدباغين ومصابغ الجلود تنبض بالحياة على جنباته، وتصدر منتجاتها إلى أفريقيا جنوب الصحراء والأندلس. لم يكن مجرد مدخل حجري، بل كان عنوان هوية اقتصادية وثقافية صنعت مجد المدينة الحمراء.


ويُعد باب الدباغ من أكثر أبواب مراكش تعقيداً معمارياً، فقد صُمم على هيئة ممر منكسر يتألف من أربع انعطافات قائمة الزاوية. كان هذا التصميم فخاً للمهاجمين، إذ يجبرهم على كشف ظهورهم للمدافعين فوق الأسوار. كل حجر فيه يحكي قصة ذكاء عسكري سبق عصره بقرون، وكل منعطف يختزن سراً من أسرار حماية المدينة.


ورغم الجهود الكبيرة التي بذلها المشروع الملكي لإعادة تأهيل المدينة العتيقة، وأعاد من خلاله الروح لعدد من بوابات المدينة العتيقة ومعالمها التاريخية، ظل باب الدباغ الاستثناء الوحيد. التشققات تنخر واجهته الحجرية، والأتربة والنفايات تملأ ممره التاريخي، والروائح الكريهة المنبعثة من قنوات الصرف طغت على عبق التاريخ. والمفارقة أن المئات من السياح الأجانب يمرون من جواره يومياً بعدساتهم وكاميراتهم، فيلتقطون صوراً لبوابة مرابطية تنهار بصمت، بينما يتفادون دخول ممرها بسبب الإهمال المحيط بها.


لم تمر من هذا الباب سيارات قط، فتصميمه الضيق والمنكسر كان حكراً على الراجلين والدواب عبر التاريخ. لكن زلزال الحوز الأخير زلزل جدرانه وزاد تشققاته، ومع ذلك لم يشمله أي ترميم أو تدخل عاجل.


إن باب الدباغ ليس مجرد حجارة. هو ذاكرة مدينة، وشاهد على حرفة صنعت مجد الاقتصاد المراكشي، ورمز لعبقرية الأجداد. معلم صمد في وجه الغزاة والزلازل تسعة قرون، لكنه اليوم يواجه خطراً أكبر: غياب الإرادة المحلية. فالمسؤولون لم يصغوا بالقدر الكافي للسياسة الملكية الرامية إلى إنقاذ المدن العتيقة وصون تراثها، وتركوا هذه البوابة المرابطية خارج دائرة التأهيل.


يبقى السؤال معلقاً ينتظر إجابة الجهات المعنية: متى ستشمل سقالات الترميم هذا الباب المرابطي العريق؟ ومتى سيستعيد باب الدباغ بريقه ومكانه ضمن منظومة أسوار مراكش التاريخية المصنفة تراثاً عالمياً؟ فالتاريخ لا ينتظر، والحجارة إذا سقطت لا تعود.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات