“هدايا العيد واسم الصحافة.. حين تتحول المهنة إلى بوابة امتيازات وأسئلة محرجة عن ما يجري في الكواليس”
في كل مرة يُفتح فيها نقاش حول بعض الملفات المرتبطة بالمناسبات العمومية أو المبادرات الاجتماعية، يظهر إلى السطح سؤال أعمق من الحدث نفسه: ما الذي تبقّى من صورة الصحافة حين تختلط المهنة بكل شيء سوى جوهرها؟ وكيف تحوّل لدى البعض الانتماء إلى هذا المجال إلى غطاء يُستعمل في غير ما وُجد له، حتى أصبح اسم الصحافة يُستدعى أحياناً في غير سياقه المهني الطبيعي؟
المؤسف في المشهد، كما يراه عدد من المتابعين، أن جزءاً من صورة الصحافة لدى بعض الفاعلين والمسؤولين لم تعد تُبنى على أساس المهنية أو الاستقلالية أو قوة الكلمة، بل أصبحت تختزل في نماذج فردية يُنظر إليها أحياناً باعتبارها صوتاً قابلاً للتوجيه أو التوظيف، وهو ما أضرّ بشكل غير مباشر بصورة الجسم الإعلامي ككل، حتى لدى من يشتغلون في إطار مهني حقيقي.
وفي هذا السياق، يطرح البعض تساؤلات مؤلمة حول تحوّل جزء من الممارسة إلى سلوك أقرب إلى منطق الاستفادة الفردية منه إلى منطق الرسالة، حيث يُلاحظ في بعض الحالات أن حدود “الخبر” و“التغطية” و“الحق في الوصول” قد تختلط بمفاهيم أخرى مرتبطة بالمصلحة أو البحث عن الامتياز، في غياب واضح لخط فاصل يحمي هيبة المهنة.
الأخطر من ذلك، في نظر منتقدين لهذا الوضع، هو أن مفهوم “الإشهار” أو “الدعم الإعلامي” أصبح في بعض السياقات يُفهم بشكل مقلق، كأنه ورقة تفاوض غير معلنة، أو وسيلة لتأمين القرب من مصادر القرار، سواء لدى بعض المنتسبين للمجال أو حتى لدى بعض المسؤولين الذين يفضلون أحياناً هذا المسار لتفادي الاحتكاك أو الجدل، بدل بناء علاقة مؤسساتية واضحة تقوم على الشفافية والقانون.
وفي امتداد هذا المشهد، يبرز في بعض النقاشات المتداولة موضوع “هدايا عيد الأضحى” والأضاحي التي يُقال إنها تُمنح في سياقات مختلفة لبعض المنتسبين إلى المجال الإعلامي، في صور تُطرح حولها علامات استفهام متكررة، ليس من باب الاتهام، ولكن من زاوية التساؤل حول المعايير: ما طبيعة هذه الاختيارات؟ ولماذا تتكرر بعض الأسماء أو الفئات في أكثر من مناسبة؟ وما الذي يجعل هذه الممارسات تُقرأ لدى جزء من الرأي العام كامتياز غير مفهوم خارج الإطار الاجتماعي الحقيقي للتضامن؟ وأسئلة أخرى أكثر حساسية تتعلق بما إذا كانت الصورة العامة للمهنة تلعب دوراً في هذا التصور، أم أن هناك تفاصيل غير معلنة تبقى بعيدة عن التوضيح الرسمي.
هنا يبرز خلل عميق في الصورة العامة: حين يُختزل جزء من الفعل الإعلامي في منطق المنفعة المتبادلة، وحين تتحول بعض الممارسات إلى ما يشبه التداخل بين العمل الصحفي ومصالح أخرى، يتضرر ليس فقط المهنيون الحقيقيون، بل تتضرر أيضاً ثقة المجتمع في المهنة نفسها، ويتم خلق انطباع عام غير منصف يطال الجميع دون استثناء.
ومع ذلك، فإن هذا الطرح، رغم حدّته، لا يمكن أن يُقرأ كحكم شامل أو تعميم، لأن الجسم الإعلامي يضم بلا شك نماذج مهنية ملتزمة تشتغل وفق ضوابط أخلاقية واضحة، وتدفع أحياناً ثمن هذا الالتزام في بيئة معقدة.
لكن جوهر السؤال يبقى مطروحاً بإلحاح: كيف يمكن استعادة التوازن بين حرية الممارسة الصحفية وصرامة أخلاقيات المهنة؟ وكيف يمكن حماية اسم الصحافة من أن يتحول في بعض السياقات إلى مجرد واجهة تُستعمل خارج رسالتها الأصلية، بدل أن يبقى سلطة رقابية مستقلة تخدم المصلحة العامة قبل أي اعتبار آخر؟