في خضم النقاش الدائر حول غلاء المعيشة، خرجت تصريحات وزيرة المالية داخل البرلمان لتفتح باباً واسعاً من التساؤلات أكثر مما قدّمت من إجابات. حديث عن المسؤولية المشتركة، عن وفرة الأسواق، وعن زيادات في الأجور… لكن هل يكفي هذا كله لقراءة الواقع كما يعيشه المواطن فعلاً؟
هل يمكن فعلاً اختزال غلاء المعيشة في كون الطماطم والبصل متوفرين في الأسواق؟ وهل وفرة بعض المواد الأساسية تعني تلقائياً أن الوضع المعيشي في تحسن؟ أم أن هناك زاوية أخرى للحياة اليومية لا تظهر في مؤشرات العرض وحدها؟
أليس المواطن اليوم يقيس الواقع من خلال سلة أوسع بكثير من الخضر والفواكه؟ ماذا عن الكراء الذي ارتفع، والنقل الذي أصبح عبئاً يومياً، والمدرسة التي تحتاج ميزانية متزايدة، والصحة التي لم تعد مجانية فعلياً في كثير من الحالات؟ هل هذه التفاصيل الصغيرة في الخطاب العام أم أنها هي جوهر المعاناة اليومية؟
وعندما يُقال إن الأجور ارتفعت مرتين، هل يكفي ذلك لتغيير الصورة الكاملة؟ أي فئة من المجتمع استفادت فعلياً من هذه الزيادات؟ وهل تمتد هذه الزيادات لتشمل تلك الشريحة الواسعة التي تشتغل يومياً دون عقد قار أو دخل ثابت، وتعيش على إيقاع “اليوم بيومه”؟
ألا تعيش هذه الفئة بالذات خارج معادلة الزيادات الرسمية، لكنها داخل معادلة الأسعار المرتفعة بشكل مباشر؟ كيف يمكن الحديث عن تحسن القدرة الشرائية في حين أن جزءاً كبيراً من المجتمع لا يملك أصلاً دخلاً مستقراً يقاس عليه هذا التحسن؟
ثم ألا يبدو غريباً هذا الاختزال المتكرر للأزمة في مشهد السوق فقط؟ هل السوق وحده هو مرآة الاقتصاد؟ أم أن خلف أرفف ممتلئة توجد جيوب فارغة لا تقوى على الاقتراب منها؟
أليس من الطبيعي أن يشعر المواطن أن النقاش يدور في مستوى، بينما يعيش هو مستوى آخر تماماً؟ مستوى لا تقاس فيه الأمور بوفرة العرض، بل بقدرة الشراء، وباختيارات صارت تضيق شيئاً فشيئاً؟
هل أصبح من الواقعي اليوم أن تُستبدل بعض الحاجيات الأساسية بحسابات دقيقة داخل كل أسرة؟ وأن تتحول أولويات العيش من “ما نحتاجه” إلى “ما نستطيع تحمله”؟
وفي النهاية، أليس السؤال الأهم هو: هل يكفي أن نطمئن المواطن بأن السوق مليء، بينما هو يشعر أن قدرته على الوصول إلى هذا السوق نفسها أصبحت محدودة؟
قد لا تحتاج هذه الأسئلة إلى أجوبة فورية بقدر ما تحتاج إلى قراءة أعمق لواقع يومي يعيشه المواطن بعيداً عن لغة الأرقام والخطابات، لكنه حاضر بقوة في تفاصيل حياته الصغيرة، التي تشكل في النهاية الصورة الحقيقية للوضع المعيشي.