Preloader Image
news خبر عاجل
clock
مراكش بين ميزانيات ضخمة ونتائج مخجلة تضع المجلس الجماعي للمدينة في دائرة التساؤل

مراكش بين ميزانيات ضخمة ونتائج مخجلة تضع المجلس الجماعي للمدينة في دائرة التساؤل

هناك شيء ما يحدث في مراكش، وشيء يستحق أن يتوقف عنده الجميع.

فالمدينة التي طالما قُدمت للعالم باعتبارها واجهة المغرب السياحية وعاصمة للسحر والتاريخ والتراث، تبدو اليوم وكأنها تعيش مرحلة يصعب فهم منطقها أو استيعاب أهدافها. أوراش في كل مكان، طرقات تُحفر ثم تُعاد تهيئتها، أرصفة تُنجز ثم تُعاد صياغتها من جديد، وساحات تاريخية تخضع لتحولات تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من الأجوبة.

فهل يتعلق الأمر فعلاً برؤية تنموية متكاملة تُدار وفق تصور حضري واضح، أم أننا أمام مسار من القرارات المتسارعة التي تُنفذ خارج إيقاع الفهم العمومي، ودون نقاش كافٍ ودون إشراك فعلي للساكنة والخبراء والمهتمين بهوية المدينة

السؤال الذي بات يتردد اليوم على ألسنة كثير من المراكشيين لم يعد يتعلق بانتهاء الأشغال، بل بما إذا كانت هذه التحولات ستترك خلفها مدينة أكثر انسجاماً، أم مدينة فقدت جزءاً من روحها تحت ضغط إعادة تشكيل متسارعة لفضائها العام

ومن حق الرأي العام أن يتساءل هل ما يجري هو تحديث حضري حقيقي أم عملية إعادة صياغة لهوية مراكش، وهل تخضع هذه المشاريع لدراسات دقيقة تراعي خصوصية المدينة المناخية والعمرانية والتراثية، أم أن المدينة تحولت إلى مساحة مفتوحة لتجريب نماذج جاهزة لا تنبع من واقعها بل من تصورات مستوردة

في قلب هذا المشهد تبرز ساحة جامع الفنا، التي يفترض أنها القلب النابض والذاكرة الحية للمدينة، غير أن الأشغال الأخيرة، وخاصة إعادة تهيئة أرضيتها، جعلت شريحة واسعة من المراكشيين ترى المشهد وكأن الزمن قد عاد بها إلى التسعينات، وكأن الساحة استعادت ملامحها الأرشيفية القديمة بشكل غير موفق، بل وبمظهر اعتبره كثيرون صادماً ومربكاً للذاكرة البصرية للمدينة، حيث تحولت ساحة ذات رمزية عالمية إلى فضاء يثير الدهشة أكثر مما يعكس الهوية التي صنعت شهرتها الدولية، ما فتح نقاشاً واسعاً حول طبيعة القرار الهندسي والجمالي الذي أوصلها إلى هذه النتيجة، ومدى انسجامه مع قيمتها التراثية والإنسانية

وفي سياق أوسع، يطرح نقاش آخر أكثر حساسية يتعلق بطبيعة النموذج الحضري المعتمد في تهيئة الفضاءات العمومية، حيث يلاحظ لدى جزء من المتتبعين نهج يقوم على الاستلهام أو النسخ من تجارب مدن كبرى مثل الرباط والدار البيضاء، في ما يشبه سياسة “copier-coller” حضري، دون مراعاة كافية لاختلاف السياقات المناخية والاجتماعية، وهو ما يجعل بعض الحلول تبدو غير منسجمة مع خصوصية مراكش، لأن ما قد يكون مقبولاً في مدن ساحلية ذات مناخ رطب ومعتدل، يصبح في مدينة مثل مراكش ذات الحرارة المرتفعة أغلب أشهر السنة مسألة مختلفة تماماً، خصوصاً حين يتم اعتماد تزفيت فوق الأرصفة المخصصة للراجلين، وهو اختيار يحول هذه المواد إلى خزانات حقيقية للحرارة، ما ينعكس بشكل مباشر على الراحة الحرارية للمواطنين ويطرح سؤالاً تقنياً وإنسانياً في آن واحد حول مدى استحضار المناخ المحلي في هذه القرارات

وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: هل فعلاً تم التفكير في الإنسان قبل المادة؟ وهل تمت دراسة أثر هذه الاختيارات على جودة العيش اليومي في مدينة تُعرف بارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية؟ أم أن منطق التعميم والاستنساخ هو الذي يطغى على منطق التكييف مع الواقع المحلي؟

وعند تجميع هذه الصور المتفرقة من الأشغال المتزامنة، والاختيارات التقنية المثيرة للنقاش، ووتيرة الإنجاز التي لا تبدو دائماً متناسقة مع انتظارات الساكنة، يبرز سؤال أكبر وأكثر إلحاحاً: هل أصبحت مراكش أكبر من المجلس الجماعي المكلف بتدبيرها، أم أن المجلس الجماعي لمدينة مراكش أصبح عاجزاً عن مسايرة الإكراهات المتسارعة وحجم التحولات التي تعرفها المدينة؟ وبين هذا وذاك، لا يمكن تجاهل المقارنة التي يفرضها الواقع نفسه، دون رغبة في المقارنة المجانية، لكن التحولات التي عرفتها مدن مثل أكادير وطنجة من حيث البنية التحتية وجودة المشاريع وسرعة الإنجاز، تجعل الكثير من المواطنين يتساءلون بحرقة عن موقع مراكش في هذا المسار، وأين يكمن الخلل الحقيقي: هل في الرؤية؟ أم في التنفيذ؟ أم في آليات المراقبة والتتبع؟

وفي ظل هذا النقاش المتصاعد، يبرز مطلب واضح لدى الرأي العام يتعلق بضرورة فتح نقاش جدي حول طبيعة هذه المشاريع، ومدى تناسب الميزانيات المرصودة لها مع جودة الإنجاز على الأرض، وهل هناك تقييم حقيقي وشفاف لما تم إنجازه، وهل ستُفتح في المستقبل تحقيقات تقنية وإدارية لتقييم بعض الاختيارات إذا تبين لاحقاً أنها لم تحقق الأهداف المرجوة، خصوصاً وأن شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة أصبح يتردد كثيراً في الخطاب العام، لكن المواطن ينتظر أن يرى هذا المبدأ متجسداً على أرض الواقع لا فقط في الشعارات

وفي النهاية، تبقى مراكش مدينة تستحق الأفضل، وتستحق نقاشاً عمومياً هادئاً وشفافاً حول مستقبلها، ليس من باب الاعتراض على التنمية، ولكن من باب الحرص على أن تكون هذه التنمية في مستوى تاريخها ورمزيتها ومكانتها العالمية.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات