مراكش… ملف التعمير يشتعل من جديد... بين معطيات “لو ديسك” وتسريبات “جبروت”.. أسئلة ثقيلة تبحث عن أجوبة رسمية
في مراكش، لم يعد ملف التعمير مجرد ورش تقني مرتبط بوثائق تنظيم المجال أو مخططات التهيئة، بل تحول إلى ملف مركب يثير تساؤلات متتالية، تتفرع مع كل معطى جديد، سواء ما تنشره الصحافة الاستقصائية أو ما يتم تداوله في الفضاء الرقمي من معلومات غير مؤكدة المصدر. وبين هذا وذاك، يبدو أن الصورة الكاملة ما تزال غير مكتملة، وأن كل جزء منها يفتح باباً لسؤال جديد أكثر تعقيداً.
فإذا كانت جريدة “لو ديسك” قد أثارت في تحقيقها مسارات مرتبطة بمخطط تهيئة مراكش الغرب، فكيف يمكن فهم الإيقاع الذي تُتخذ به القرارات في ملفات بهذا الحجم؟ وهل تتم هذه العملية داخل إطار مؤسساتي واضح بحدود دقيقة بين الاختصاصات، أم أن تداخل المستويات التدبيرية يجعل تتبع المسؤولية وتحديد مسار القرار أمراً معقداً بالنسبة للرأي العام؟
ثم إذا كان الحديث يدور حول مشاريع إعادة تشكيل المجال الحضري على نطاق واسع، فأين يبدأ التخطيط الاستراتيجي وأين ينتهي التنفيذ العملي؟ وهل تتوفر آليات كافية لضمان أن كل مرحلة من مراحل اتخاذ القرار تكون قابلة للتتبع والفهم من طرف المواطنين والفاعلين المعنيين؟
وفي سياق متصل، تبرز منطقة تسلطانت كنقطة محورية في النقاش، حيث تُذكر أراضٍ فلاحية واسعة ضمن محيط يعرف تحولات تدريجية في النقاش حول مستقبلها العمراني. وهنا تتكاثر الأسئلة بشكل أكثر دقة:
كيف يتم تحديد مستقبل المجالات الفلاحية المحيطة بالمدن الكبرى؟
من يضع معايير التحول من الطابع الفلاحي إلى الطابع العمراني؟
هل هذه التحولات مرتبطة فقط بالوثائق التقنية للتعمير، أم أنها تتقاطع مع ديناميات اقتصادية واستثمارية أوسع؟
وهل يتم الإعلان عن هذه التحولات ومراحلها للرأي العام بالوضوح نفسه الذي تُعلن به القرارات الإدارية الأخرى؟
وإذا كانت بعض المعطيات تشير إلى حركية عقارية متسارعة في محيط المدينة، فكيف يمكن قراءة هذا التزامن؟
هل يتعلق الأمر بدينامية طبيعية مرتبطة بتوسع المدن الكبرى؟
أم أن سرعة التحولات في بعض المناطق تطرح تساؤلات حول العلاقة بين السوق العقارية ومسارات التخطيط الحضري؟
وهل تتوفر أدوات كافية لضبط هذا التوازن بين الاستثمار والتخطيط والمصلحة العامة؟
وفي موازاة ما تنشره الصحافة، ظهرت أيضاً معطيات متداولة على منصات رقمية منسوبة إلى ما يُعرف بتسريبات “جبروت”، وهي معطيات لم يتم تأكيدها رسمياً أو قضائياً، ولم تُثبت نسبتها إلى أي جهة موثوقة إلى حدود الساعة. ومع ذلك، فإن تداولها الواسع يفرض سؤالاً إضافياً:
كيف يتم التعامل مع هذا النوع من التسريبات في الفضاء العمومي؟
هل أصبحت هذه المواد، رغم غياب التحقق منها، جزءاً من تشكيل النقاش حول قضايا التعمير؟
أم أنها تخلق طبقة إضافية من الغموض فوق ملفات أصلها معقد؟
وأين ينتهي الحق في النقاش العمومي وأين يبدأ خطر التأثير بمعلومات غير مثبتة؟
أما على مستوى وثائق التعمير الكبرى، فتشير معطيات منشورة إلى استمرار تعثر إخراج المخطط التوجيهي للمدينة، رغم تعدد الدراسات والمراحل التقنية. وهنا تتراكم الأسئلة بشكل أكثر عمقاً:
كيف يمكن لمدينة بحجم مراكش أن تدبر توسعها العمراني دون وثيقة مرجعية مكتملة ومستقرة؟
ما أسباب التأخر في إخراج هذه الوثائق؟
هل يعود ذلك إلى تعقيد المساطر وتعدد المتدخلين؟
أم إلى صعوبة التوافق بين الرؤية التخطيطية والواقع الميداني المتغير بسرعة؟
ولماذا تتكرر إعادة النظر في الدراسات والصفقات المرتبطة بالتخطيط دون الوصول إلى مخرجات نهائية واضحة؟
ثم يظهر سؤال أشمل يتجاوز التفاصيل:
كيف يمكن ضمان انسجام بين التخطيط الحضري، والقرارات الاستثمارية، والتحولات العقارية، في مدينة تشهد ضغطاً متزايداً على المجال؟
وهل توجد آلية واضحة تجعل المواطن قادراً على فهم الصورة الكاملة لمسار التعمير من بدايته إلى نهايته؟
وفي النهاية، إذا كانت كل هذه المعطيات المتداولة – سواء في الصحافة أو في النقاش الرقمي – تعكس جزءاً من الواقع أو من النقاش العمومي، فأين تتجمع الصورة الكاملة؟ ومن الجهة القادرة على تقديم رواية واضحة وشاملة تُنهي هذا التعدد في التأويلات؟
ويبقى السؤال الذي يلخص كل ما سبق دون أن يحسمه:
هل نحن أمام تعقيد طبيعي في تدبير مدينة كبرى تتغير بسرعة… أم أمام منظومة عمرانية تحتاج إلى مزيد من الشفافية لتصبح قابلة للفهم الكامل من طرف الجميع؟