يرتبط اسم "نظام الطيبات" الغذائي، الذي أسسه الطبيب الراحل د. ضياء العوضي، في الأذهان بحظر استهلاك "الدجاج الأبيض" وتجريمه قطعياً بدعوى أنه يسبب الالتهابات المزمنة ويهدد الصحة العامة. ومع التداول الكثيف لمنشورات وفيديوهات هذا النظام عبر منصات التواصل الاجتماعي بالمغرب، نشأ نوع من التوجس الصحي والنفور النفسي لدى شريحة معينة من المستهلكين تجاه دجاج المزارع، مما أدى إلى تراجع نسبي في وتيرة اقتنائه من طرف هذه الفئة. غير أن إخضاع ظاهرة انهيار الأسعار الحالية للتحليل السوسيواقتصادي والمؤشرات القطاعية يكشف عن تباين واضح بين هذا "الأثر النفسي الافتراضي" وبين "المحركات الهيكلية الحقيقية" المتحكمة في لغة السوق.
ومن الناحية السوسيولوجية والميدانية، يظل هذا التحول السلوكي المرتبط بـ "نظام الطيبات" ذا أثر ثانوي وغير حاسم في تشكيل الأزمة الحالية؛ نظراً لأن القدرة الشرائية للمستهلك المغربي هي الموجه الأساسي والواقعي لنمطه الغذائي اليومي. فالدجاج الأبيض يظل البديل البروتيني الوحيد والأكثر ملاءمة للميزانيات المحدودة والطبقات المتوسطة مقارنة بالارتفاع القياسي لأسعار اللحوم الحمراء والأسماك، مما يعني أن العجز الحاد في الطلب ليس ناتجاً بالأساس عن قناعات صحية مستحدثة شملت عموم المغاربة، بقدر ما هو مرتبط بجدولة استهلاكية ظرفية معروفة كفترة ما بعد عيد الأضحى وفصل الصيف التي يتراجع فيها الإقبال على الدواجن تقليدياً.
إن التفسير العلمي والاقتصادي الحقيقي للانخفاض الحاد في الأسعار يكمن في "قوانين السوق الحرة" وآليات ضبط الإنتاج القطاعي؛ فالتقارير المهنية الصادرة عن جمعيات المربين تشير إلى وجود فائض إنتاجي قياسي غير متكافئ تماماً مع وتيرة الاستهلاك الفعلي. وتتمثل هذه الاختلالات في ضخ كميات هائلة من الكتاكيت من طرف وحدات التفريخ والمحاضن الكبرى تتجاوز بكثير الطاقة الاستيعابية للسوق الوطنية في الظروف العادية، حيث قُدّر المعروض بنحو 15 مليون كتكوت أسبوعياً مقابل حجم طلب حقيقي لا يتعدى 9 ملايين، مما أحدث إغراقاً مباشراً للمعروض أدى تلقائياً إلى هبوط الأسعار دون مستويات كلفة الإنتاج الحقيقية التي تتراوح بين 15 و16 درهماً، بينما يتراوح البيع بالضيعة بين 8 و9 دراهم فقط.
ويُضاف إلى عامل وفرة الإنتاج عامل تقني حاسم يتعلق بـ "فيزيولوجية المنتج وزمنيته"؛ فالدجاج الحي يُصنف كبضاعة سريعة التلف ولا تملك مرونة التخزين لفترات طويلة داخل الضيعات، حيث يؤدي تجاوز العمر الافتراضي للتسويق (نحو 40 إلى 45 يوماً) إلى ارتفاع مضطرد في كلفة الأعلاف وزيادة احتمالات النفوق الطبيعي للقطيع. وبسبب غياب بنية تحتية لوجستيكية متطورة قادرة على استيعاب الفائض عبر التجميد، والتحويل، والتخزين خارج السلسلة الحية، يجد المربي الصغير والمتوسط نفسه مجبراً اقتصادياً على تصريف منتجه بأي ثمن متاح لتفادي خسائر كلية، مما يمنح شبكات التوزيع والوسطاء سلطة أكبر في تحديد أسعار السوق وتعميق فجوة الأرباح بين باب الضيعة والمستهلك النهائي.
بناءً على هذه المعطيات، يتضح أن ربط انهيار أسعار الدجاج بانتشار صيحات غذائية بديلة كنظام "الطيبات" هو قراءة تسطح الأزمة وتغفل مسبباتها الجوهرية. فالإشكال الحقيقي يكمن في فوضى تدبير قنوات المدخلات (الأعلاف والكتاكيت)، وغياب آليات الحكامة الاستباقية لضبط التوازن من طرف الفاعلين الكبار؛ وهو الوضع الذي يتطلب تنظيماً هيكلياً يحمي استمرارية المربين الصغار والمتوسطين من الإفلاس، لضمان استقرار الأمن الغذائي الوطني على المدى البعيد وتفادي أي ارتدادات عكسية عنيفة في الأسعار مستقبلاً نتيجة العزوف عن الإنتاج.