Preloader Image
news خبر عاجل
clock
مراكش أكبر من هذا التصميم… فمن قرر سقف الطموح؟

مراكش أكبر من هذا التصميم… فمن قرر سقف الطموح؟

لا شيء يزعج مدينة واثقة من نفسها أكثر من أن يُقترح لها ما هو أقل منها. ليس لأن المقترح سيئ بالضرورة، بل لأنه لا يُشبهها، لا يعكس صورتها، ولا يحترم ما راكمته من مكانة ورمزية عبر السنوات. مراكش لا تطلب المستحيل، لكنها ترفض أن تُعامل كمدينة عابرة في دفتر المشاريع، أو كرقم يمكن تمريره بتصميم عادي لا يترك أثرًا ولا يثير دهشة.

الأخبار المتداولة مؤخرًا حول التصميم المرتقب لملعب مدينة مراكش فجّرت هذا الإحساس المشروع بالاستغراب. تصميم يوصف بـ«الحديث»، لكنه في الواقع أقرب إلى الحياد البارد، يفتقر للجرأة، ويغيب عنه أي بعد رمزي أو بصري قادر على أن يحوّله إلى معلمة حضرية. شكل خارجي محافظ، كتل هندسية بلا روح، وواجهة لا تحكي شيئًا عن مدينة صُنّفت عالميًا كوجهة سياحية وثقافية ورياضية.

المفارقة تصبح أكثر وضوحًا حين تُطرح المقارنة، وهي مقارنة لا مفر منها، مع ما تحقق في مدن مغربية أخرى. ملاعب الرباط وطنجة، على سبيل المثال، لم تُنجز فقط لتحتضن مباريات، بل صُمّمت لتُرى، لتُصوَّر، ولتُقدَّم للعالم باعتبارها رموزًا حضرية تعكس طموح المدن التي تحتضنها. هناك اشتغال واضح على الهوية المعمارية، على الواجهة، وعلى العلاقة بين الفضاء الرياضي ومحيطه الحضري. أما في حالة مراكش، فالسؤال المؤلم هو: أين المدينة في هذا التصميم؟

الحديث عن ملعب مراكش الكبير لا ينبغي أن يُختزل في عدد المقاعد أو المعايير التقنية وحدها. في زمن التظاهرات الكبرى، والرهانات الدولية، صار الملعب واجهة للمدينة قبل أن يكون فضاءً رياضيًا. صورة تُتداول في الإعلام العالمي، خلفية لبطولات قارية ودولية، وعلامة معمارية تترسخ في الذاكرة الجماعية. فهل يعقل أن تُقدَّم مراكش، بكل ثقلها، بملعب يمكن أن يوجد في أي مدينة دون أن يلفت الانتباه؟

مراكش ليست مدينة تبحث عن مجاملة، ولا عن حل ترقيعي. هي مدينة لها تاريخ، ولها اسم، ولها دور محوري في صورة المغرب بالخارج. مدينة تستقبل ملايين الزوار سنويًا، وتُرشَّح باستمرار لاحتضان أحداث كبرى، ولا يمكن التعامل معها بمنطق “الحد الأدنى المقبول”. الغيرة على مراكش، في هذا السياق، ليست موقفًا انفعاليًا، بل واجب مدني وإعلامي، لأن الصمت أمام مشروع دون مستوى المدينة يُحوّل العادي إلى قاعدة، والتواضع إلى قدر مفروض.

ما يُطلب اليوم ليس إلغاء المشروع، ولا التشكيك في النوايا، بل فتح نقاش حقيقي حول الرؤية. مراجعة التصميم، إعادة التفكير في الواجهة، استحضار هوية المدينة، والارتقاء بالطموح المعماري إلى مستوى ينسجم مع ما أصبحت عليه مراكش في الخريطة الوطنية والدولية. فالمدن لا تُقاس بسرعة الإنجاز، بل بجودة الاختيارات، ولا تُخلَّد بالمشاريع الكثيرة، بل بالمشاريع التي تشبهها.

وقبل أن يُصبّ الإسمنت، وقبل أن يتحول التصميم إلى واقع لا رجعة فيه، يبقى السؤال معلقًا: هل نريد ملعبًا “كافيًا” لمراكش، أم ملعبًا يليق بها؟ الفرق بين الاثنين هو الفرق بين مدينة تُدار بعقلية الحد الأدنى، ومدينة تعرف قيمتها وتطالب بما يستحق اسمها.

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات