ليس من باب المبالغة ولا من باب التحريض، بل من موقع المسؤولية والغيرة الصادقة نقولها اليوم بوضوح لا يقبل التأويل: ما وقع في الرباط من استهداف إعلامي ممنهج لا يجب أن يجد له موطئ قدم في مراكش. نحن أمام أسلوب مكشوف، تكرر، ويُراد له أن يُستنسخ بالحرف، مع تغيير المكان فقط. نفس العقلية، نفس الأدوات، ونفس الهدف: تشويه الصورة عبر اقتطاع الواقع من سياقه وتحويل الهامش إلى عنوان.
القضية ليست صدفة، وليست انطباعاً عابراً. التجربة علّمتنا أن هناك من يشتغل بمنطق “الصورة السريعة” و“اللقطة المسمومة”، بحثاً عن أي مشهد معزول يمكن تضخيمه وتقديمه للعالم كأنه مرآة مدينة كاملة. هذا ما حدث سابقاً في الرباط، وهذا ما يُحضَّر له اليوم في مراكش، خصوصاً في سياق احتضانها لتظاهرات واهتمام رياضي دولي. لذلك، فالتعامل مع الموضوع بمنطق الاستباق واليقظة لم يعد ترفاً، بل ضرورة تفرضها المرحلة.
ولنكن صريحين إلى النهاية: المغرب لا يبيع الوهم، ولا يدّعي مدينة فاضلة بلا مشاكل. مراكش، مثل كل مدن العالم، تعيش تحديات اجتماعية واقتصادية نعرفها جيداً، ونكتب عنها نحن كصحفيين مغاربة بجرأة ومسؤولية، لا بدافع التشهير، بل بدافع الإصلاح والضغط الإيجابي. الفقر، الهشاشة، بعض المظاهر الاجتماعية… كلها واقع لا ننكره ولا نخجل من مناقشته، لأنه موجود حتى في أكثر الدول التي تُقدَّم كواجهات نموذجية.
لكن الفرق الجوهري يكمن هنا: بين نقد داخلي مسؤول يسعى إلى المعالجة، واستغلال خارجي خبيث يبحث فقط عن الإساءة. تصوير متسول عند إشارة مرور، أو بائع متجول في زاوية محددة، ثم تقديم ذلك كأنه “الحقيقة المطلقة” عن مدينة عالمية بحجم مراكش، ليس عملاً إعلامياً، بل عملية تضليل متعمدة، وانتقاء مقيت للصور يخدم أجندات معروفة.
المشكل إذن ليس في الواقع، بل في توظيفه. ليس في وجود الظاهرة، بل في تحويلها إلى أداة تشويه. وهنا بالضبط يجب أن يكون الحزم: لا عبر المنع الأعمى، ولا عبر التضييق غير المبرر، وإنما عبر التنظيم الصارم، واليقظة الدائمة، وحماية الصورة العامة للمدينة دون المساس بحرية التعبير المسؤولة.
نقولها بلا مواربة: مراكش ليست فضاءً مفتوحاً لمن يريد الاصطياد في الماء العكر، ولا مسرحاً لإعادة إنتاج سيناريوهات مستهلكة. حماية صورة المدينة ليست مسألة علاقات عامة، بل واجب وطني، خصوصاً عندما تتحول الصورة إلى سلاح.
على كل مسؤول في هذه المدينة أن يدرك أن المعركة اليوم ليست فقط ميدانية، بل إعلامية أيضاً. هؤلاء لا يأتون لنقل الواقع كما هو، بل لصناعته وفق مقاسهم، وتشويهه بما يخدم حساباتهم.
وبكل غيرة على هذا الوطن، نقولها أخيراً: كونوا على أهبة الاستعداد. لا تسمحوا بأن تتحول مراكش إلى حلقة جديدة في مسلسل التضليل. هذه ليست دعوة للانغلاق ولا للرقابة العمياء، بل دعوة لحماية الحقيقة، حتى تبقى مراكش في أعين العالم كما هي فعلاً: مدينة نابضة بالحياة، قوية بتنوعها، ومضيئة رغم كل التحديات.