في قلب مدينة مراكش، الوجهة السياحية الأولى للمملكة، تبرز معضلة اقتصادية وأخلاقية تتجاوز مجرد "تطبيقات الحجز الذكية". نحن أمام تغول رقمي تقوده منصات دولية، وعلى رأسها العملاق الألماني GetYourGuide، في ظل غياب محير لأي دور رقابي من طرف وزارة السياحة، وتجاهل مثير للتساؤل من طرف مكتب الصرف والسلطات المحلية لنزيف مالي وقانوني يهدد سيادتنا السياحية.
المعادلة المالية لهذه المنصات تمثل أكبر "ثقب أسود" في الاقتصاد السياحي الحالي. عندما يحجز السائح نشاطاً في مراكش، تقتطع المنصة عمولات تذهب مباشرة إلى حسابات في الخارج بالعملة الصعبة، دون أن تمر عبر النظام البنكي المغربي أو تخضع لرقابة مكتب الصرف.
هذا "التهريب المقنن" للعملة الصعبة يحرم خزينة الدولة من موارد ضخمة، بينما تكتفي السلطات المالية بمراقبة الشركات المحلية المنهكة بالضرائب، وتترك "القراصنة الرقميين" يجنون الأرباح الصافية بعيداً عن أي مساهمة ضريبية وطنية.
أين هي وزارة السياحة من حماية "العلامة التجارية للمغرب"؟ تسمح هذه المنصات لأي كان بعرض خدماته، مما فتح الباب على مصراعيه للقطاع غير المهيكل لمنافسة المهنيين المرخصين. والنتيجة:
إهانة الهوية السياحية: تجارب "الطبخ" و"الجولات" باتت تُقدم بجودة رديئة (كسكس معلب، نقل سياحي مهترئ) لتعويض العمولات الضخمة، مما يسيء لصورة مراكش العالمية.
غياب الرقابة الميدانية: السلطات المحلية بمراكش مطالبة بالضرب بيد من حديد على "المزودين الوهميين" الذين يسيطرون على هذه المنصات بعيداً عن أي مراقبة للجودة أو السلامة.
المسؤولية المشتركة: السيادة ليست للبيع
لا يمكن قبول استمرار وضع تُباع فيه مراكش كـ "سلعة رخيصة" في تطبيقات أجنبية بينما تقف السلطات موقف المتفرج. المطلوب اليوم هو تحرك مشترك:
* على وزارة السياحة فرض "الربط التقني" مع المنصات لضمان عدم قبول أي خدمة لا تملك رخصة رسمية.
* على مكتب الصرف والمديرية العامة للضرائب إيجاد آلية لتوطين هذه العمولات وضمان أداء الضرائب على الأرباح المحققة فوق التراب الوطني.
الخلاصة: إن صمت الجهات الوصية هو بمثابة تفويض لهذه المنصات للتحكم في مصير آلاف الأسر المراكشية التي تعيش من القطاع. لقد آن الأوان لاسترجاع سيادتنا من قبضة الخوارزميات قبل أن يستنزف "الغول الرقمي" ما تبقى من كرامة سياحتنا الوطنية.