Preloader Image
news خبر عاجل
clock
درهمان للخبز… وخمسة لأصحاب الجيلي: هل تحولت دقائق التوقف إلى تجارة مفتوحة في مراكش؟

درهمان للخبز… وخمسة لأصحاب الجيلي: هل تحولت دقائق التوقف إلى تجارة مفتوحة في مراكش؟

لم يعد المشهد استثناءً عابراً في شوارع مراكش، بل تحول إلى واقع يومي يفرض نفسه عند أبواب المخابز، أمام الأبناك، بجوار الصيدليات، وعلى مقربة من الإدارات العمومية. تترجل من سيارتك لدقائق معدودة، تقضي غرضاً بسيطاً، ثم تعود لتجد شخصاً يرتدي سترة عاكسة “جيلي” ينتظرك بنظرة حاسمة ويد ممدودة. لا تذكرة تثبت الأداء، ولا سند قانوني واضح… فقط مطالبة مباشرة بمبلغ مالي مقابل “حراسة” لم تطلبها أصلاً.

في مدينة بحجم مراكش، التي تُعد واجهة سياحية واقتصادية، يتكرر المشهد بشكل يثير الاستغراب. كيف يمكن أن يؤدي مواطن ثمن خبز لا يتجاوز درهمين، ثم يُطالب بخمسة دراهم مقابل توقف لم يتعد دقيقتين؟ وكيف تُحتسب دقائق معدودة في الشارع العام، بينما اختارت مدن أخرى، من بينها الدار البيضاء، الحسم في هذا الملف عبر إلغاء هذا الشكل العشوائي من الحراسة والاتجاه نحو صيغ تنظيمية أكثر وضوحاً؟

ما يحدث في عدد من النقاط الحيوية بمراكش يكشف نمطاً متكرراً: اختيار مواقع ذات حركة سريعة ومرتفقين مستعجلين، أمام وكالات بنكية، مختبرات تحاليل، مرافق إدارية وخدمات أساسية. المواطن في سباق مع الزمن، ينجز غرضاً سريعاً، ليصطدم عند عودته بمطالبة مالية تُفرض عليه تحت ضغط الأمر الواقع. كثيرون يؤدون المبلغ تفادياً لأي احتكاك أو خوفاً على ممتلكاتهم، فيتحول الأداء من مقابل خدمة إلى شكل من أشكال الإكراه غير المعلن.

البعض يدافع عن هؤلاء بدافع التعاطف الاجتماعي، باعتبارهم فئة تبحث عن مورد رزق في ظل أوضاع اقتصادية صعبة. غير أن جوهر النقاش في مراكش اليوم لا يتعلق بحق الأشخاص في العمل، بل بغياب إطار قانوني منظم يحدد الواجبات والحقوق. حين تُفرض مبالغ غير مضبوطة، وتُحتسب دقائق معدودة كأنها مدد طويلة، وتُطالَب فئات واسعة من المواطنين بأداء متكرر بشكل يومي، فإن المسألة تتجاوز التعاطف إلى سؤال العدالة وتكافؤ الفرص أمام القانون.

الأرقام وحدها كفيلة بتوضيح حجم العبء. فإذا افترضنا أن سائقا يؤدي خمسة دراهم عن كل توقف قصير، وأن طبيعة تنقلاته اليومية داخل المدينة تفرض عليه الركن عشر مرات في اليوم، فإن الكلفة تصل إلى خمسين درهماً يومياً. وعلى امتداد شهر كامل، قد يتجاوز المبلغ عتبة ألف وخمسمائة درهم. رقم ثقيل على ميزانية أسرة متوسطة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بتوقفات خاطفة لا تتعدى بضع دقائق لقضاء أغراض إدارية أو معيشية بسيطة.

هذا الواقع يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة التأطير القانوني لهذا النشاط داخل المدينة. فغياب صيغة واضحة لتنظيم ركن السيارات خارج الدوائر المؤطرة يفتح المجال أمام تضارب في الممارسات، ويغذي شعوراً متنامياً بعدم الإنصاف لدى فئات واسعة من المواطنين. كما أن استمرار الوضع على حاله يضع صورة المدينة، التي تراهن على التنظيم والجاذبية الاستثمارية والسياحية، أمام اختبار حقيقي يتعلق بتدبير الفضاء العام.

التجارب المقارنة داخل مدن مغربية أخرى أبانت أن معالجة هذا الملف ممكنة، سواء عبر الإلغاء التام للأشكال العشوائية، أو عبر إسناد التدبير إلى شركات مفوض لها في إطار دفاتر تحملات دقيقة، تحدد التعريفة، وطرق الأداء، وواجبات المتدخلين. مقاربة من هذا النوع من شأنها أن تضمن وضوح الرؤية بالنسبة للمواطن، وتحفظ في الوقت نفسه كرامة من يشتغلون في هذا المجال ضمن إطار قانوني منظم.

مراكش اليوم أمام لحظة تدبيرية حاسمة: إما الإبقاء على واقع يثقل كاهل المواطنين ويغذي الاحتقان الصامت، أو الانتقال إلى مرحلة تنظيم واضحة المعالم، تعيد التوازن بين حق استعمال الفضاء العام وضرورة ضبطه بقواعد شفافة. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مطروحاً بإلحاح في شوارع المدينة: من يضع حداً لفوضى “الجيلي”، ومتى تستعيد دقائق التوقف معناها الطبيعي بعيداً عن أي كلفة غير محسوبة؟

اترك ردا

إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخبار ذات صلة

تابعنا

أفضل الفئات